حين ينظر المرء إلى ما يجري في عالمنا اليوم من حروبٍ واضطراباتٍ وصراعات، يدرك أن نعمة الأمن ليست أمرًا عابرًا يمكن التسليم بدوامه، بل هي من أعظم النعم التي تقوم عليها حياة الدول واستقرار الشعوب. فكم من دولٍ كانت تنعم بالطمأنينة والرخاء، فلما ضعفت فيها القيم واختل فيها ميزان العدل، اهتز أمنها واضطربت أحوالها. وعندئذ يتبين أن الأمن ليس مجرد قوةٍ مادية أو إجراءاتٍ نظامية، بل هو منظومة متكاملة تقوم على أساسٍ أعمق. ومن تأمل في سنن التاريخ أدرك أن أمن الدول لا يقوم على القوة وحدها، بل يقوم قبل ذلك على الإيمان والقيم التي تضبط السلوك وتحقق العدل. فالإيمان إذا استقر في المجتمع رسّخ مراقبة الله في النفوس، وحمل الناس على حفظ الحقوق وكفّ الظلم، فتنشأ من ذلك بيئةٌ يسودها الاطمئنان وتستقر بها حياة المجتمعات. وقد دلّ القرآن الكريم على هذا المعنى دلالة واضحة، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾. فجعل سبحانه الأمن ثمرةً للإيمان إذا اقترن بالعدل وابتعد عن الظلم، وفي ذلك بيانٌ أن صلاح القلوب أساس صلاح المجتمعات واستقرار الدول. وإذا نظرنا إلى ما أنعم الله به على المملكة العربية السعودية، بلد الحرمين الشريفين، أدركنا عظيم هذه النعمة، فمنذ نشأتها قامت على معادلة واضحة جمعت بين القيادة والسياسة وبين الشريعة الإسلامية في منظومة واحدة تستمد قوتها من الإيمان. فلم تكن السياسة فيها يومًا منفصلة عن الشريعة الإسلامية، بل كانت تسير في إطارها وتسترشد بمبادئها، حتى أصبح هذا الارتباط كوجهين لعملةٍ واحدة لا ينفصل أحدهما عن الآخر، ومن هذا الأساس المتين نشأ استقرار البلاد وأمنها. ثم تعاقبت على هذه البلاد قياداتٌ جعلت حفظ الأمن ورعاية مصالح الناس من أعظم مسؤولياتها، جيلاً بعد جيل، حتى عهدنا الحاضر في ظل خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان، اللذين يحرصان على ترسيخ الاستقرار وخدمة الحرمين الشريفين وضيوف الرحمن، ويعملان على جمع كلمة المسلمين وتعزيز التعاون بين الدول الإسلامية والعربية، إدراكًا منهما أن وحدة الصف من أعظم أسباب الأمن والاستقرار. وقد بشّر النبي صلى الله عليه وسلم من يسهر لحماية الناس وأمنهم بفضلٍ عظيم حين قال: «عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله». وهذا الفضل يشمل كل من يسهر على أمن البلاد واستقرارها، قيادةً وجندًا. وإن ازدهار العالم الإسلامي والعربي واستقراره لن يتحقق إلا إذا قامت العلاقات بين دوله على مبدأ الأمن المتبادل وحفظ الحقوق واحترام الجوار. وهذه قاعدة عظيمة أرساها حبيبنا ورسولنا صلى الله عليه وسلم، فهي ليست توجيهًا للأفراد فحسب، بل مبدأ يصلح أن يكون أساسًا في علاقة الدول بعضها ببعض. فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ». قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الَّذِي لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ». فكما أن الفرد لا يكتمل إيمانه إذا كان مصدر خوفٍ لجاره، فكذلك الدول لا يتحقق استقرارها وازدهارها إذا كانت مصدر تهديد لجيرانها. وإنما يترسخ الأمن الحقيقي حين يكون كل جارٍ مصدر طمأنينة لجاره، وعندها فقط يمكن أن ينهض العالم الإسلامي والعربي على أساسٍ من الإيمان الذي يصنع الأمن ويصون الاستقرار. *قسم الإحصاء وبحوث العمليات – كلية العلوم – جامعة الملك سعود البريد الإلكتروني: [email protected]