كانت العلاقة بين حائل واللون الأخضر متجذّرة منذ القديم، وقد كشف عنها الشعر العربي في مواضع كثيرة، منها مثلاً ما أشار إليه الشاعر (البُحتُريّ 280ه) الذي كان يتحدث عن بعض خصائص المكان، وبعض سماته الخضراء، وأبرز العلامات الدالة على طبيعة هذه الأرض في علاقتها مع اللون الأخضر، متخذاً من (النخلة) رمزاً دالاً، حيث يقول: «ذوو النَّخْلاتِ الخُضْرِ في بَطنِ (حائلَ)... وفي (فَلَجٍ) خُطبانُها وهبِيدُها»، فالشاعر هنا يؤكد على رمزية اللون الأخضر من خلال النخيل الذي هو شعار قديم، وموروث عريق، وأصبح أيقونة وطنية خالدة. لقد كان الشعراء قديماً يصرّون على هذه الرمزية الخضراء، سواء في شكلها الصريح كما أشرنا، أم في شكلها الضمني، كالحديث عن الطبيعة الشجرية للمكان في قول الشاعر: «فَلَمَّا أَتَيْنَا السَّفْحَ مِنْ بَطْنِ حَائِلٍ ... بِحَيْثُ تَلَاقَى طَلْحُهَا وَسَيَالُهَا»، أو الطبيعة الزهرية للمكان، كما في قول الشاعر: «لَعَمْري لَنُورُ الأَقْحُوانِ بِحائِلٍ ... ونَوْرُ الخُزامى في آلاءٍ وعَرْفَجِ = أَحَبُّ إِلَينا يا حُمَيْدَ بنَ مالِكٍ ... مِنَ الوَرْدِ والخِيريِّ ودُهْنِ البَنَفْسَجِ»، فوصف النبات يدل على طبيعة الأرض الخضراء، وهي دلالات تشير إلى احتضان منطقة حائل منذ القِدَم للأشجار والأزهار بأنواعها: الصحراوي، والرملي، والجبلي، والغذائي، والعطري، والعلاجي. وفي العصر الحديث كان للمستشرقين والرحالة الذين كانوا يمرون على حائل وقفة مع اللون الأخضر الذي تتوشح به المدينة من خلال أشجارها، وبساتينها، ونخيلها؛ ولذلك قال أحدهم واصفاً: «وهناك قرية تسمى حائل، ضرب الأُنس بينها وبين الهموم بحائل، وهي ذات نخيل وأشجار، وعيون وآبار، وطيور وأزهار، وبساتين واسعة وثمار، وكأنها روضة من رياض الجنان، وأهلها عرب كرام، شَمِلَ كرمُهم الخاصَّ والعام». واليوم تترجم حائل هذه العلاقة الجميلة مع اللون الأخضر، عندما فازت بجائزة (المدينة العربية الخضراء) الصادرة عن منظمة المدن العربية في دورتها الخامسة عشرة لعام 2026م، وهو إنجاز وطني يُضاف إلى إنجازات وطننا الحبيب، وما أجمل أن تكون حائل أول مدينة عربية تنال هذا اللقب، مؤكدةً على أن (الأخضر) علامة سيميائية ترمز إلى الطبيعة، والكرم، والأصالة، والنمو، والهدوء، والإشراق، والاتزان، وصداقة البيئة، وحب الوطن، وكلها دلالات نفسية تبعث على الأمل، والانشراح، والاستبشار، وتحثّ على التطور والتجدد، والانتشار. شكراً - بعد شكر الله - لقيادتنا الرشيدة في دعمها المستمر الذي يأتي هذا الفوز ثمرة من ثمراته، ولا سيما أنه يتواكب مع المبادرة الوطنية (السعودية الخضراء)، وشكراً لصاحب السمو الملكي الأمير عبد العزيز بن سعد بن عبد العزيز آل سعود، أمير منطقة حائل الذي تشهد معه المنطقة تطوراً كبيراً، وتقدماً هائلاً، وشكراً لسمو نائبه صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن فهد بن مقرن آل سعود، والشكر لأمانة منطقة حائل، ولسعادة أمينها، وفريقه الذي كان له أثر في تحقيق هذا الإنجاز الوطني الجميل. إن هذا الفوز الأخضر ذو رمزية جمالية متعددة؛ فهو فوز وطني يؤكد أن الاستثمار في البيئة، والإنسان، والمكان، هو الاستثمار الأمثل، وهو فوز يشجّع على التنمية المستدامة، وجودة الحياة، ورفع مستوى الرضا المعيشي، والوعي البيئي، والنمو السياحي، كما أنه فوز يدل على ريادة المملكة في مشروعاتها التنموية، وهو فوز أيضاً يبيّن ما يقوم به سمو أمير المنطقة من جهد كبير، وتخطيط سليم، ومتابعة دقيقة، وعمل جاد، وتنسيق رفيع، وتحفيزٍ فريق العمل الواحد، وتشجيعه؛ ليثق بالقدرات، ويستبشر بالمنجزات، ويواصل التحديات؛ لذلك أصبحت حائلنا الجميلة مدينة عصرية مستدامة، يليق بها الأخضر، وتليق به.