تولي المملكة عناية كبيرة بمسألة رؤية الأهلة، خاصةً هلال شهر رمضان المبارك وهلال شهر شوال، لما يرتبط بهما من أداء عبادة الصيام وإعلان عيد الفطر، ومع اقتراب أواخر شهر شعبان من كل عام تبدأ الجهات المختصة في المملكة استعداداتها المكثفة لتحري الهلال وفق منهج يجمع بين الالتزام الشرعي والاستفادة من الوسائل العلمية الحديثة، في صورة تعكس مكانة الشريعة الإسلامية في تنظيم حياة المجتمع. ويستند هذا الاهتمام إلى النصوص الشرعية الواضحة، وفي مقدمتها قول النبي: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته"، حيث جعلت السنة النبوية ثبوت دخول الشهر وخروجه معلقًا بالرؤية البصرية الموثوقة، لذلك تحرص الجهات القضائية والشرعية في البلاد على استقبال شهادات الرائين والتثبت منها بدقة وفق ضوابط العدالة والضبط، فلا يعلن دخول الشهر إلاّ بعد التحقق من صحة الرؤية، سواء بالعين المجردة أو بمساعدة المراصد التي توثقها دون أن تلغي أصل الرؤية الشرعية. وأنشأت المملكة شبكة واسعة من المراصد الفلكية الثابتة والمتنقلة المنتشرة في مناطق متعددة تمتاز بصفاء الجو وبعدها عن التلوث الضوئي، وتشارك فيها جهات علمية وقضائية ومتطوعون من هواة الرصد، وتستخدم هذه المراصد تقنيات حديثة مثل "التلسكوبات" الرقمية والكاميرات الفلكية وبرامج تحديد موقع القمر وزاوية مكثه بعد الغروب، لكنها تبقى وسائل مساعدة لإثبات الرؤية الشرعية لا بديلًا عنها، في توازن يجمع بين التطور العلمي والالتزام بالنصوص. ويهدف هذا التنظيم الدقيق إلى توحيد المسلمين داخل البلاد على بداية صوم واحدة ونهاية واحدة، منعًا للاختلاف والاجتهادات الفردية، وعند ثبوت الرؤية يصدر بيان رسمي موحد يعلن عبر وسائل الإعلام كافة، فيصوم الناس ويفطرون في وقت واحد، مما يحقق مقصد الشريعة في اجتماع الكلمة ويحد من الشائعات أو الأخبار غير الموثوقة التي قد تنتشر بين الناس. وتتميز تجربة المملكة أنها لا تهمل الحسابات الفلكية، بل تستأنس بها لتوقع إمكانية الرؤية أو استحالتها، مع بقاء الحكم النهائي للرؤية البصرية المعتبرة شرعًا، فالحساب الفلكي يحدد الظروف العلمية للرؤية، بينما الشهادة الشرعية تثبت وقوعها فعليًا، وبذلك يتحقق اليقين وتطمئن النفوس. وأصبحت قضية رؤية الهلال جزءًا من الهوية الدينية والتنظيمية في المملكة، حيث تتكرر سنويًا جهود بشرية وعلمية وإدارية كبيرة لخدمة شعيرة الصيام، ويُنظر إليها باعتبارها مسؤولية دينية قبل أن تكون إجراءً إداريًا، وتتكاتف المؤسسات الرسمية والعلمية والمجتمعية لإنجاحها، في صورة تعكس اهتمام الدولة بتطبيق الشريعة الإسلامية في تفاصيل الحياة العامة، وإحياء الهدي النبوي في إثبات بدايات العبادات ونهاياتها بأسلوب يجمع بين أصالة النص ودقة العلم الحديث.