منذ عامين وأنا أتابع باهتمام أعمال وتصريحات أبرز الاقتصاديين الحاصلين على جائزة نوبل، ولا سيما ما يطرحه فيليب أغيون، أحد الفائزين بجائزة نوبل لعام 2025 وأحد أهم منظّري اقتصاد الابتكار. وقد لفت انتباهي مؤخرًا دعوة أغيون للاتحاد الأوروبي إلى توفير بيئة حاضنة لرواد الأعمال تتناسب مع سرعة التحول الرقمي العالمي، محذرًا من تباطؤ السياسات الأوروبية مقارنة بتسارع الابتكار. ولكي أكتب هذا المقال بموضوعية، لا أهدف إلى عقد مقارنة تفضيلية، بل إلى فهم الفجوة بين التنظير الأكاديمي والتطبيق العملي، ومقارنة ما يدعو إليه علماء الاقتصاد اليوم بما تم تطبيقه فعليًا في المملكة العربية السعودية خلال السنوات الماضية بقيادة الزعيم العظيم الأمير محمد بن سلمان. يرى أغيون في حواره مع صحيفة لوموند أن مستقبل الدول سيحدده مدى قدرتها على دمج المعرفة في السياسات العامة، وتفعيل شراكات استراتيجية بين القطاعين العام والخاص، وتحويل الابتكار من فكرة مجردة إلى قوة اقتصادية وسياسية مؤثرة. ويشير إلى أن أوروبا - رغم قوتها الصناعية - تواجه معضلة في اللحاق بالدول التي سبقتها في التحول الرقمي وريادة الابتكار. إذ يرى أغيون أنه يتوجب على الاتحاد الأوروبي تشجيع التفكير التجريبي، واحترام الفشل كجزء من طريق التعلم، وضمان حرية أكاديمية حقيقية، وخلق البيئة المولدة للابتكارات الحقيقية فالمجتمعات التي تكافئ الجرأة وتتيح الفرص للجميع، تملك القدرة على النمو المعرفي المستمر. وعند النظر إلى التجربة السعودية، نجد أن ما يطالب به أغيون اليوم كان جزءًا جوهريًا من التحول الاقتصادي الذي تبنته المملكة منذ إطلاق رؤية 2030؛ حيث لم تُترك مفاهيم الابتكار وريادة الأعمال في نطاق المقترحات النظرية، بل تحولت إلى برامج تنفيذية قابلة للقياس ضمن مسار واضح لبناء اقتصاد معرفي. وقد انعكس ذلك في سلسلة من القفزات المتسارعة في المؤشرات الدولية خلال العامين 2024 و2025، من أبرزها: * المرتبة الثانية عالميًا في مؤشر الحكومة الرقمية (GTMI) لعام 2025 الصادر عن البنك الدولي. * المرتبة الأولى عالميًا في نمو منظومة الابتكار وريادة الأعمال، واختيار السعودية «دولة العام 2025» في مؤشر StartupBlink. * المرتبة الثالثة عالميًا في نماذج الذكاء الاصطناعي الرائدة ونمو وظائف الذكاء الاصطناعي وفق مؤشر جامعة ستانفورد 2025. * المرتبة الأولى عالميًا في مؤشر الأمن السيبراني لعام 2025 وفق تقرير IMD للتنافسية العالمية. هذه النتائج لم تتحقق صدفة، بل جاءت نتيجة بناء منظومة اقتصادية تستوعب الابتكار، وتربط المعرفة بالسياسات، وتخلق علاقة جديدة بين الدولة والقطاع الخاص، وهي ذات المبادئ التي يطرحها أغيون بوصفها مستقبل الاقتصاد العالمي. لكن ما يميز التجربة السعودية أنها لم تتوقف عند بناء بيئة أعمال عامة، بل انتقلت إلى تأسيس حاضنات أعمال متخصصة في أكثر القطاعات حيوية لمستقبل البشرية: الطاقة، الزراعة، التقنية الحيوية، الصحة، المياه، والصناعة المتقدمة. هذه الحاضنات لا تُنشأ لدعم شركات صغيرة فحسب، بل لتكون مصانع للمعرفة ومساحات تُمكّن فيها المواهب من تحويل علومهم إلى نماذج ابتكار قادرة على معالجة مشكلات عالمية. والأهم من ذلك أن هذه الحاضنات لا تطلب من المبتكرين حلّ مشكلات محلية فحسب؛ بل تدعوهم إلى تطوير حلول للتحديات التي تواجه الإنسانية جمعاء - من الأمن الغذائي، إلى الأمراض المزمنة، إلى تقنيات المياه، إلى الطاقة النظيفة. بهذا المعنى، أصبحت السعودية دولة تمكّن رواد الأعمال لصناعة حلول عالمية، وليس مجرد دولة توفر بيئة أعمال مناسبة فحسب. وبذلك، فإن ما ينادي به أغيون ونخبة الاقتصاديين الحاصلين على نوبل - من دمج المعرفة في السياسات، وتحرير الابتكار، وتمكين القطاع الخاص، وبناء منظومات للمواهب - يجد تطبيقه اليوم في المملكة بصورة عملية وملموسة. إن التجربة السعودية لا تُقدَّم هنا كنموذج مكتمل، لكنها تعكس حقيقة واضحة: أن المملكة لم تنتظر الإجماع الأكاديمي أو توصيات لجان الخبراء، بل اتخذت مبكرًا خيارًا استراتيجيًا بالتحول نحو اقتصاد رقمي معرفي، ووضعت لهذا التحول أدوات تنفيذية ومؤشرات واضحة. وهذا ما يجعل تجربة المملكة - بقيادة الأمير محمد بن سلمان - ليست مجرد قصة نجاح محلية، بل إسهامًا في صياغة اقتصاد عالمي جديد تقوده المعرفة والابتكار والإنسان. عبدالله القطان