حين يأتي الشتاء بهدوئه الثقيل، ويطرق الأبواب ببرده، لا يأتي قاسيًا كما يظن، بل يحمل بين أنفاسه دفئًا خفيًا لا يشعر به إلا من أرهف السمع للقلب. صباحاته ضباب ناعم، ونداه رسائل حب تكتبها السماء على الأرض، وشمسه ابتسامة خجولة تمنح الطمأنينة دون إسراف. وقد قال عنه الرسول صلى الله عليه وسلم: "الشتاء ربيع المؤمن، طال ليله فقامه، وقصر نهاره فصامه"، فكان فصل الصفاء، وزمن السكينة، حيث تلتقي المتناقضات؛ برد يحتضن الدفء، وصمت يولد منه الكلام، ووحدة تُنهيها جلسة حول شبّة نار. سمّاه الأوّلون فصل الملوك، وقالوا: "لا يعشق الصيف إلا من به خلل، أمّا الذي يهوى الشتاء فهَيِّم"، لأن الشتاء لا يحب إلا من عرف قيمة الدفء حين يولد من البرد. وفي حضرته تغنى الشعراء، فكانت النار قصيدة، والقهوة قافية، ومن أجمل ما قيل: (يا كليب شب النار يا كليب شبه... عليك شبه والحطب لك يجابي عليّ أنا يا كليب هيله وحبّه... وعليك تقليط الدلال العذابي). وكأن النار وعد، والقهوة موعد، والجلوس حولهما اعتراف صامت بالمودّة. في الشتاء تمتلئ الأرض بالحياة، وتتشكّل الغدران كالمرايا، وتتمايل الأشجار على لحن المطر، كأن الطبيعة تعود إلى ذاتها، ويغدو الليل أكثر حناناً، يمد عباءته على القلوب المتعبة، فلا يليق به إلا وهج نار، وضحكة صادقة، وحديث يمتد بلا توقيت. وشبّة النار ليست لهبًا فحسب، بل ذاكرة، ودفء أُلفة، وصوت نجر يوقظ الحنين. حولها تُروى الحكايات، وتُقال القصائد، وتقترب القلوب دون أن تتلامس، فهي النداء الذي لا يُسمع بالأذن، بل يُحسّ بالقلب. وكان البدو الرحّل إذا حلوا أرضًا أوقدوا النار إعلانًا عن وجودهم، فيُقال: "فلان شبّ ناره"، أي آنست به الأرض. فالنار حياة، وغيابها انطفاء للمعنى، لذلك قالوا في الانتقاص: أطفأ الله نارك. ريحة الحطب حين تختلط ببرودة الليل تُصلح ما أفسدته الأيام، وتُرمّم ما أنهكه الحرّ وطول الغياب، ثم يأتي الربيع بعد الشتاء كاعتذارٍ جميل من الحياة؛ تتفتح فيه الزهور، وتغتسل الخواطر، ويظهر الفقع بعد أمطار الخير، ومنه الزبيدي والخلاسي والهوبر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الكمأة من المَنّ، وماؤها شفاءٌ للعين". ولعل أصدق وصف للربيع قول البحتري: أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكًا... من الحسن حتى كاد أن يتكلّما. وهو امتداد لفرحٍ بدأ في الشتاء، ولم يكتمل إلا به. وفي الختام، يبقى الشتاء حكاية دفء لا تُنسى، وزمنًا نحبّه لأننا نكون فيه أقرب لأنفسنا، وأصدق مع مشاعرنا. نسأل الله أن يمنح الجميع ليالي شتوية عامرة بالسكينة، دافئة بالحب، مطمئنة بالأنس، وأن يقيهم شرّ البرد وما يصاحبه من أمراض. باحثة اجتماعية* ابتسام سعود المشيطي*