في خضم تسارع وتيرة العمل وتزايد الضغوط المهنية، يبرز الاحتراق الوظيفي كأحد التحديات الصامتة التي يواجهها الموظفون في مختلف القطاعات. وأوضح سعد الحربي -أخصائي موارد بشرية- أن الاحتراق الوظيفي يُعد حالة نفسية ومهنية يتعرض لها الموظف نتيجة الضغوط المستمرة في بيئة العمل، حيث يفقد معها حماسه ودافعيته تدريجيًا، لينعكس ذلك على مستوى أدائه الذي قد يتراجع بشكل ملحوظ، أو يصل في بعض الحالات إلى شبه توقف. وقال: إن الانتقال من مرحلة الشغف والإنجاز المهني إلى الاحتراق الوظيفي لا يحدث فجأة، بل تقوده مجموعة من العوامل المتراكمة، من أبرزها غياب التقدير رغم الجهد المبذول، وعدم وضوح المهام أو تغيّرها باستمرار، وتحميل الموظف مسؤوليات أكبر دون دعم أو مقابل، إلى جانب العمل في بيئة سلبية أو علاقات متوترة، والشعور بعدم التطور أو بأن الجهد لا يحقق نتيجة ملموسة، ومع مرور الوقت، يتحول الشغف إلى تعب، ثم إلى استنزاف يؤثر على النفسية والإنتاجية.وأضاف أن الأداء العالي لا يُعد دائمًا مؤشرًا إيجابيًا، إذ قد يكون في بعض الأحيان غطاءً لاحتراق وظيفي صامت، فهناك موظفون يواصلون تحقيق نتائج مرتفعة بدافع عدم قدرتهم على الرفض، أو شعورهم بالذنب عند التقصير، أو خوفهم من الفشل أو فقدان الوظيفة، أو لاعتيادهم الضغط المفرط على أنفسهم، وعلى الرغم من أن الصورة الخارجية تعكس التزامًا وإنجازًا ونتائج مميزة، إلاّ أن الداخل قد يكون مثقلًا بالتعب المستمر والقلق وفقدان المتعة والاستنزاف البطيء. وأشار إلى أن الأداء العالي يكون صحيًا وإيجابيًا عندما يقترن بالتعزيز والتحفيز والدعم، أما في حال غياب هذه العناصر، فقد يتحول إلى مؤشر مبكر على احتراق وظيفي متدرّج يصعب ملاحظته في بداياته. وعن الحلول العملية، أكد الحربي على أن من أكثر السياسات فاعلية في الحد من الاحتراق الوظيفي تبني أنظمة العمل المرن أو الهجين، من خلال إتاحة العمل جزئيًا عن بُعد أو مرونة ساعات الدوام، وهو ما أثبت قدرته على تقليل الضغط وتعزيز التوازن بين الحياة المهنية والشخصية، كما أن بناء بيئة عمل قائمة على التقدير الحقيقي، والتفاعل الإيجابي بين الفرق، والتواصل المفتوح، يسهم بشكل مباشر في خفض الشعور بعدم التقدير، ويقلل من احتمالية وصول الموظفين إلى مرحلة الاحتراق الوظيفي.