بقلوبٍ مؤمنة بقضاء الله وقدره، ونحن نودّع آخر أيام السنة الميلادية 2025م، نودّع بحزنٍ يليق بقامةٍ أدبيةٍ راسخة القاص والروائي حسين علي حسين، الذي غادر الحياة بعد مسيرةٍ ثرية بالعطاء، حافلةٍ بالإبداع، والانحياز للإنسان، والإنصات العميق لوجع المكان والذاكرة. كان الفقيد صوتًا صادقًا للمدينة المنوّرة وأحواشها، وضميرًا سرديًا التقط التفاصيل الصغيرة ليصوغ منها معنى واسعًا للحياة. كتب القصة القصيرة بحسٍّ إنسانيٍ نادر، ومهارة فنية راقية، فجاءت نصوصه مشبعة بالقلق الرصين، والأسئلة الوجودية، والبحث الدائم عن الكرامة والحرية. وفي الرواية، ولا سيما وجوه الحوش، أعاد للذاكرة التاريخية نبضها، وفتح نوافذ الماضي على وعي الحاضر، بأسلوبٍ جمالي ومسؤولية معرفية عالية، جعلت العمل شهادة فنية وإنسانية على مرحلة كاد يطمرها غبار الزمن، ويمنحه صوتًا إنسانيًا طال انتظاره. وإلى جانب منجزه الإبداعي، امتلك الراحل تاريخًا صحفيًا طويلًا ومؤثرًا، بعد سنوات طويلة من العمل في وزارة الإعلام، احترف العمل الصحفي تحت أحبار المطابع، في زمنٍ كانت فيه الكلمة تُكتب بعرقها اليومي. عمل وكتب في عدد من الصحف السعودية الكبرى، من بينها: جريدة المدينة، جريدة الرياض، مجلة اليمامة، جريدة الجزيرة، جريدة عكاظ، وجريدة البلاد، كما أسهم بالكتابة في عددٍ من المجلات والدوريات المتخصصة. في الصحافة كان شاهدًا على التحولات، وصاحب قلمٍ هادئٍ، عميق الرؤية، منحاز للإنسان وقضاياه، ومؤمن بأن الكلمة مسؤولية والخبر أمانة. خلّف الراحل إرثًا أدبيًا مهمًا، تنوّع بين القصة والرواية، من أبرز أعماله: الرحيل، ترنيمة الرجل المطارد، طابور المياه الحديدية، كبير المقام، رائحة المدينة، المقهى، مزيكا، حافة اليمامة، العقد، ووجوه الحوش، التي فازت ضمن مشروع تحويل الرواية السعودية إلى سيناريو سينمائي، تأكيدًا لقيمتها الفنية والسردية. إن فقده خسارة موجعة للمشهد الثقافي، غير أن أثره باقٍ في نصوصٍ ستظل تُقرأ، وتشهد على كاتبٍ آمن بأن الأدب رسالة، وبأن الحرية والكرامة ضرورة إنسانية للإبداع والتجديد. رحم الله الفقيد، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله ومحبيه وقرّاءه الصبر والسلوان.. "إنّا لله وإنّا إليه راجعون".