انخفاض الذهب في المعاملات الفورية    نائب أمير منطقة مكة يستقبل القنصل العام لجمهورية ألمانيا    نادي سباقات الخيل يكشف المشاركين في تحدّي الخيّالة العالمي 2026    تعليم الطائف يدشن مبادرة الفصول التعليمية المتنقلة لدعم التوسع في رياض الأطفال    ضياء عسير تطلق "كهاتين" بدعم مستدام ل30 مستفيدًا ومستفيدة من الأيتام المكفوفين    هيئة الأدب والنشر والترجمة تدشّن جناح المملكة في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026    أمير حائل يفتتح منتجعا سياحيا بمشار    الاتفاق ونيوم يتعادلان سلبًا في الجولة ال17 من الدوري السعودي للمحترفين    الديوان الملكي: وفاة فيصل بن تركي    السعودية تعزز الشراكات العالمية في «دافوس».. توطين الصناعات الواعدة وتقنيات الذكاء الاصطناعي    هبوط البيتكوين وسط هروب السيولة وتصاعد المخاطر    برعاية وزير الإعلام وتعزيزاً للحضور في الفضاء الرقمي.. اتفاقيات شراكة مع جهات حكومية لتطوير المؤسسات الصحفية    14 مليار ريال تسوق أسبوع    دمشق: واشنطن تفضل الشراكة معنا لمحاربة داعش.. الجيش السوري يبسط سيطرته على مخيم الهول    السعودية تدين التفجير الإرهابي في كابل    نتنياهو يقبل دعوة ترمب للانضمام ل«مجلس السلام»    بوتين يكذب ترامب بشأن قبول الانضمام لمجلس السلام    وفاة رفعت الأسد عمّ الرئيس السوري المخلوع    لبنان: مقتل اثنين في غارتين إسرائيليتين    إطلاق 12 من الوعول والظباء بمتنزه السودة    أمير الرياض .. ولحظات مؤثرة    هنأت رئيس أفريقيا الوسطى بإعادة انتخابه.. القيادة تهنئ سلطان بروناي بنجاح العملية الجراحية    قرية الجنادرية تفتح أبوابها لزوار مهرجان خادم الحرمين الشريفين للهجن    نيفيز بين البقاء والانتقال المُحتمل    ليوناردو بين الهلال ونابولي    مواجهات حاسمة للتأهل إلى دور ال 16.. أستون فيلا وليون في مهمة صعبة ببطولة يوروبا ليغ    دافوس.. وذئب الدبلوماسية العالمية    أمير الشمالية يبحث الشأن القضائي مع رئيس محكمة الاستئناف    كأنها ناقة صالح    أمير الشرقية يشدد على أهمية العمل الخيري المؤسسي    أمانة حائل تجتمع باللجنة التنفيذية لمعالجة التشوّه البصري    «التخصصي» يحتفل بتخريج 379 طبيباً    الزهراني يحتفل بزواج ابنه حازم    أسرتا فايز والنجدي تتلقيان التعازي    أمير الشرقية ونائبه يعزيان التركي    تكريم المشاركين في مسار «البرامج التدريبية الإعلامية التاريخية الدرعية»    «العلا».. الفنون المعاصرة والتصميم والموسيقى    الطائف تحتفي بإرث بديوي الوقداني    المنتدى السعودي للإعلام يستكشف الكنوز السعودية    هيئة الأدب والنشر والترجمة تدشّن جناح المملكة في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026    أمير القصيم يرعى حفل مهرجان القصيم للصقور بمشاركة (675) صقارًا من مختلف دول الوطن العربي    الاستقرار النفسي    الحلطمة.. بوق المفلسين    السديس: استراتيجية لتعزيز دور الأئمة والخطباء في إيصال رسالة الحرمين إلى العالم    استقبل أئمة وخطباء المسجد الحرام.. نائب أمير مكة يطلع على استعدادات شؤون الحرمين لرمضان    سعود الطبية: 3.9 ملايين وصفة خلال 2025    اعتماد إجراء «كرمشة المعدة» دون قص أو تحويل مسار بمستشفى الدكتور سليمان الحبيب بالريان    الممارسون الصحيون يحضرون ملتقى نموذج الرعاية الصحية    5 دقائق من المشي يومياً تقلل خطر الوفاة    وزراء خارجية المملكة و7 دول يرحبون بالدعوة للانضمام إلى مجلس السلام    بحضور أكثر من 16 ألف متفرج .. النصر يتغلب على ضمك بثنائية في دوري روشن للمحترفين    تحالف دعم الشرعية في اليمن: ندين الهجوم الإرهابي على موكب قائد الفرقة الثانية بقوات العمالقة    انعقاد اجتماع أمناء عموم الغرف التجارية بالمملكة في مقر غرفة جازان للمرة الأولى    المملكة من Davos: الاستثمار في رأس المال البشري ركيزة التنافسية    إطلاق 12 كائنا فطريا في متنزه السودة الوطني    نائب أمير جازان يشهد حفل ختام أعمال تجمع جازان الصحي 2025    تدشين أولى فعاليات سفارة جمعية الأدب برجال ألمع لعام 2026 بندوة ثقافية نوعية    «الحج»: الالتزام بالإرشادات يضمن أداء المناسك بطمأنينة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



معضلة الفكر
نشر في الرياض يوم 26 - 06 - 2020

أكدنا قي مقال سابق على محبة التفكير وقيمته وحذّرنا في الوقت نفسه من الفكر الزائف الذي يظهر للناس وتتأثر به وتنجذب إليه. وفي هذا السياق يميّز الفلاسفة بين الفيلسوف الحقيقي وبين فيلسوف الزور أو فيلسوف البهرج. وهذا التمييز ضروري ليعرف الإنسان المحب للتفكير كيف يوجّه نفسه في عملية التفكير وكيف يمارسه. وفي هذا السياق لا بد أن نميز بين الفلسفة والتفلسف. ولأن التمييز دقيق وعميق فإن الأمر يحتاج توضيحاً أولياً ينطلق من قراءة للواقع الفكري، وما يحدث فيه لنعرف من خلاله مدى صحة ما يوجد من جهة، ومدى صدق الاتجاه الفكري الذي يحكم الطبقة المثقفة ويوجهها من جهة أخرى.
يعرف الجميع أن العديد من المثقفين اليوم صاروا يحملون ميولاً إيجابية إلى الفكر الفلسفي رغم غيابه واقعياً عن مدارج التعلّم الأكاديمي، وهو ميل يعكس حب المثقفين الجدد للعلوم الفلسفية وحرصهم على الاطلاع عليها اطلاعاً عصامياً جميلاً نرى نتائجه في حلقات التفكير ومجالس الفلسفة التي صارت تملأ عديد المناطق، كما نرى أثره في المحاضرات والندوات التي تقام هنا وهناك حيث يجتمع محبو الفلسفة ويتبادلون الفكرة والرأي. والأهم من كل هذا يتمثّل فيما نلاحظه اليوم من حب للكتاب الفلسفي وطباعته وانتشاره، وهو حُب ساعد القراء الجدد على الاطلاع على تاريخ الفلسفة ومذاهبها ومدارسها ومصطلحاتها ومسائلها. وبقطع النظر عن مدى صحة فهم ما يقرؤون ويطالعون من كتب الفلسفة ومؤرخيها -لأن كل طالب للفلسفة من كتبها دون تعلمها هو إلى سوء الفهم أقرب- أرى من الضروري الوقوف عند معضلة مهمّة جداً انتهى إليه الواقع الثقافي اليوم يمكن أن أسميها بمعضلة الفكر. وأعني بمعضلة الفكر الحالة التي آل إليها الفكر الجديد الذي يمارسه المثقفون الجدد الذين يحملون شغف الفلسفة ومطالعتها والتعرّف عليها دون تعلّمها وأخذها من مكانها كما نأخذ أيّ علم من العلوم الأخرى. فشرّعوا بهذه الممارسة ودون وعي منهم إلى إمكان أخذ العلم والتخصص فيه داخل جدران المكتبات، ومنحوا أنفسهم اسم الفيلسوف توصيفاً وتمييزاً. وبالتالي صار بالإمكان في مجتمعاتنا أن نسمع في يوم قريب من يُسمّي نفسه بالرياضي والمهندس والطبيب والجراح والفيزيائي.. وغيره لمّا يرى نفسه قد اطلع على عدد لا بأس به من كتب الرياضيات والهندسة والطب والجراحة والفيزياء وغيرها، وتصير المكتبات هي المانحة للشهادات العلمية من دون حاجة لمدرسة أو معلّم. والغريب في الأمر أننا نجد بعض مثقفينا الجدد (الفلاسفة الجدد) يسمحون لأنفسهم الخوض في مسائل الفلسفة ومناهجها ومدارسها، ولكن لا نجدهم يسمحون لأنفسهم الخوض في مسائل الرياضيات والطب والفيزياء وغيرها، وكأنهم بذلك يرون أن طلب الفلسفة أمر متاح للجميع ما دام هناك حب لها، واطلاع على مؤلفات الفلسفة ومدارسها.
لا شك أن المطالعة وحبّ الكتاب خصلة إيجابية لا مثيل لها. ولا شك أن حديثي ليس تشكيكاً في قيمة المطالعة فهذا لا يقوله عاقل. إن حديثي يعالج معضلة خطرة تتمثل في جعل المطالعة باب علم وتخصّص يعوّض المدرسة والمعلّم. ولبيان خطورة هذا الأمر واقعياً يكفي أن نسمع ما يدور من محاورات بين هؤلاء الفلاسفة الجدد المتخرجين من المكتبات، ودور المطالعة الذين جعلوا من مذاهب الفلاسفة ومدارسهم ومناهجهم تعبيراً عن الفلسفة نفسها. لا شك أن قصدهم الأولي قصد حسن لأنهم طلاب علم دفعهم حبهم للفلسفة إلى طلبها، والتعرّف عليها للمساهمة في تطوير الفكر والمجتمع. ولكنهم وقعوا في نتيجة مغايرة لهدفهم ومناقضة له. أرادوا الخروج من فكر نقلي يحكم الواقع ويوجهه، فوقعوا في فكر نقلي جديد جعلهم يردّدون ما يقول ديكارت وهيوم وكانط وهيجل وديلوز وداريدا وسارتر وغيرهم كثير.. وكأنهم بهذا الترديد يثبتون للآخرين أنهم صاروا فلاسفة يحملون فكراً جديداً مغايراً يساهمون به في تطوير الفكر عندهم. بينما هم في الحقيقة خرجوا من نقل يعكس مجتمعهم ليستبدلوه بنقل جديد يعكس فكر مجتمعات أخرى. إن استبدال فكر بفكر، ونقل بنقل عملية عقيمة تزيد الفكر تخبّطاً وضياعاً ويزيد المجتمع تشتتاً وتمزقاً. ويتعمق رفض المجتمع للفلسفة والفلاسفة لما يرونه من جنون في الثقافة الجديدة والمثقفين الجدد. أن تعرف ما يقول هيجل وماركس وأفلاطون وديكارت وسارتر وغيرهم لا يعني أنك فهمتهم، وحديثك عنهم لا يعني أنك صرت فيلسوفاً مثلهم أو حتى عارفا لهم. هذه هي معضلة الفكر الذي نحياه في أغلب مجتمعاتنا الجديدة وبأشكال متعددة. نعني بمعضلة الفكر إذن أن يعلن مجتمع ما إيقاف عقله عن التفكير والاكتفاء بالتعرف على أفكار الآخرين قدامى ومحدَثين وترديدها توهما منهم أنهم بذلك يجدّدون الفكر بينما هم يعوّضون نقلا بنقل، ويعمّقون الأزمة أكثر، ويجعلون عملية إصلاح الفكر أكثر صعوبة.
إن معضلة الفكر تعني غياب التفكير والاكتفاء باستيراد الأفكار من وراء البحار، كما نستورد أيّ بضاعة نستهلكها. وإذا كان استهلاك بضاعة الآخرين أمراً مذموماً لأنه يمنع عنا إنتاج بضاعتنا واستهلاكها فإن استهلاك فكر الآخرين يجعلنا أمة معاقة تفكّر بعقل غيرها ولا تستطيع سياسة أمرها إلا باستيراد البضاعة الفكرية التي أنتجها الآخرون. وإذا رمنا اليقظة فعلاً فإن أول خطوة يجب أن نخطوها تتمثل في تجاوز معضلة الفكر. وهذا لا يكون إلا لمّا تكون لدينا الشجاعة الكافية لنفكر بأنفسنا، ونحدث النقلة النوعية من عالم الفكر إلى عالم التفكير. وهذا لا يكون إلا بصناعة مناهج تعليمية جديدة ورؤية مغايرة للمدرسة والمعلّم أي للتعليم بشكل عام حتى يجد المثقف في المدرسة فضاء مناسباً لأخذ العلم من مكانه الشرعي، وحتى تكون المكتبة بعد ذلك رفيق عمره تسند علمه وتقويه. ولبيان كيفية الانتقال من الفكر إلى التفكير ومن الفلسفة إلى التفلسف نحتاج معالجة مسائل عديدة جداً أرجو لهذه المساحة الثقافية أن تكفيها وترحّب بها.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.