مناسبة وطنية تعزز فيها القيم والمبادئ    أرسى دعائمها الملك المؤسس.. التعاون والاحترام المتبادل مرتكزات راسخة في السياسة الخارجية    عز متجذر.. وهوية لا تغيب    جسدت قوة عزيمته لنماء وازدهار الوطن.. قصة نفط الخير في عهد الملك عبدالعزيز    23 فعالية وطنية وثقافية وتراثية ضمن احتفاء أمانة منطقة تبوك بيوم التأسيس السعودي لعام 2026    مكتسبات كبرى ونمو مستدام.. 4.7 تريليون ريال حجم الاقتصاد السعودي    المملكة تدين وتستنكر ما تضمنته تصريحات سفير الولايات المتحدة الأمريكية لدى إسرائيل    مندوب المملكة يشارك في جلسة مجلس الأمن بشأن الوضع في السودان    الملك عبدالعزيز يقدم أول كأس ملكية في كرة القدم    سمو ولي العهد يهنئ رئيسة وزراء اليابان بمناسبة إعادة انتخابها    مواعيد محددة لزوار الروضة الشريفة    "هيئة الطرق": انطلاق مبادرة "إفطارك علينا" لتعزيز السلامة المرورية وقيم التكافل    أسسها الملك عبدالعزيز على ركائز متينة.. السعودية.. نموذج فريد للوحدة في العصر الحديث    نائب أمير تبوك : يوم التأسيس مناسبة نستذكر بها أمجاد من بنوا وأسسوا لهذا الكيان العظيم    الملك سلمان.. «التأسيس» فخر التاريخ وعزيمة المستقبل    منظومة متكاملة    وزارة الداخلية تصدر دليلًا إرشاديًا للمحافظة على أمن وسلامة المعتمرين خلال شهر رمضان المبارك 1447ه    نيوم يتغلّب على الخليج بهدف في دوري روشن للمحترفين    التراث العمراني السعودي.. ذاكرة حية تعكس هوية وتاريخ المملكة    استحضار ذكرى اليوم المجيد    بلدية محافظة أبانات جهود في تحسين المشهد الحضري والارتقاء بخدمة المستفيد وتعزيز المشاركة المجتمعية    فهد العجلان: «يوم التأسيس» يعكس قوة العقد التنموي وجودة الحياة    النصر يعود للصدارة.. والهلال يتعثر أمام الاتحاد المنقوص    التعادل يحسم مواجهة الهلال والاتحاد في دوري روشن للمحترفين    ولي العهد يزور مسجد قباء في المدينة المنورة    الفتح يتأهب لمواجهة الأخدود    الطرق التجارية التاريخية أعادت للجزيرة العربية مكانتها الاقتصادية العالمية    السعودية سابعة العالم في الميزانيات العسكرية    يوم يخلد التحولات الإيجابية للوطن    الوحدة الوطنية الكبيرة    المملكة من التأسيس إلى الدور الدولي المعاصر    الاتفاق النووي السعودي الأمريكي على طاولة الكونجرس    يوم التأسيس: رسالة فخر متجددة للمواطنين والمقيمين    محافظة رياض الخبراء.. أصالة الريف وحيوية النمو والحضارة في مدينة تعلّم عالمية    معالم ومناطق ترتبط بمراحل تأسيس الدرعية الأولى بالشرقية وغصيبة والمليبيد وعلاقتهما بمراحل التأسيس    أمين عام مجلس التعاون يرفض ويستنكر تصريحات سفير أميركا لدى إسرائيل    وزارات خارجية المملكة ودول عربية وإسلامية ومجلس التعاون والجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي تعرب عن إدانتها بشدة وقلقها البالغ إزاء التصريحات الصادرة عن السفير الأمريكي لدى إسرائيل    فترة الوحي في حادثة الإفك    "ليلة الأوقاف" ضمن حملة "الجود منا وفينا" تُسهم في توفير وحدات سكنية    "الإنسانيات الطبية".. حين يلتقي الطب بالأدب    إطلاق أول مركز متكامل لإنقاذ القدم السكرية في المنطقة الغربية بمستشفى الدكتور سليمان الحبيب بالمحمدية في جدة    32 فريقا بمونديال صامطة    113 مخالفا كل ساعة    مراقبة ذكية لمواقف المسجد النبوي    «سلمان للإغاثة» يوزّع (200) سلة غذائية في مدينة كامنيتسا بكوسوفو    من الكتاتيب لأجيال متسلحة بالعلم والمعرفة    تكريم جمعية أصدقاء البيئة بالأسبوع العربي للتنمية بجامعة الدول العربية    ملاحم نسائية لم تكتب بالسيوف.. من ضوء البيوت خرجت الدولة    يوميات من عرعر في يوم التأسيس    فن إدارة الشركات الحكومية: تطوير القابضة أنموذجا    هل يدرك العرب أن السعودية تمثل خط الدفاع الأكثر أهمية    جمعية الكشافة تنفذ معسكر الخدمة العامة بالمدينة المنورة بمشاركة أكثر من 350 كشافاً    وصول الطائرة الإغاثية السعودية ال81 لإغاثة الشعب الفلسطيني في غزة    سمو أمير منطقة القصيم: يوم التأسيس محطة تاريخية نستحضر فيها أمجاد الوطن وجذور وحدته الراسخة    رياح نشطة مثيرة للأتربة على معظم مناطق المملكة    الصيام آمن لمرضى الروماتويد مع الالتزام بالعلاج    الصحة تؤكد سلامة أدوية الستاتين    اختتام مشروع "بصيرة" لعمليات المياه البيضاء بدعم مؤسسة فهد بن عبدالله العويضيه الخيرية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



استشراق من دون شرق: جيرالد هاوتينغ مثالاً
نشر في الحياة يوم 28 - 12 - 2013

أحد البواعث التي سيطرت على جيرالد هاوتينغ (وهو التلميذ المخلص لجون وانسبرو) حينما أنجز كتابه «فكرة الوثنية»، تجسيد ما نظّر له وانسبرو في الثمانينات ونقل أفكاره إلى ميدان الوثنية العربية، وهو ميدان لم يطرقه أحد قبله من المستشرقين، هذا إذا استثنينا الكلاسيكي يوليوس فلهوزن في عمله عن بقايا الوثنية العربية (1897) «Rest Arabische Heidentums».
ويبدو أنّ هاوتينغ كان سعيداً في اختياره العنوان الفرعي لكتابه «من الجدل إلى التاريخ»، وهو يظن أنه يتصدى لمدارس في الاستشراق الكلاسيكي (وعلى رأسهم فلهوزن) سيطرت لعقود طويلة على ميادين النقد الغربي(G. R. Hawting, The Idea Of Idolatry And The Emergence Of Islam, From Polemic To History, Cambridge University Press, 1999).
بيد أنّ الحقيقة لم تكن تسكن في مرمى سعادته: فإذا كان هاوتينغ قد نهل كفايةً من وانسبرو ومدرسته (وهو كذلك)، إلا أنّ الكتاب لم يؤسس إلا عكس ما يتوقعه المرء من العنوان: «من التاريخ إلى الجدل»، «من التاريخ إلى اللاتاريخ»... الخ، وبخاصة أنّ لفظة «التاريخ» هي من ألد أعداء هاوتينغ وعموم زمرة «التنقيحيين الجدد» من المستشرقين (هذا إذا صح نعتهم بالمستشرقين). وباختيار هاوتينغ إحدى أهم الإشكاليات البحثية في درس الشرط الديني للعرب قبل الإسلام، أي الوثنية العربية، فقد كان هدفه واضحاً: إنكار كل ما يمت الى الوثنية بصلة عن العرب قبل الإسلام، وبأنّ كل ما كتب بهذا الشأن (وغيره حتى) في كتب التراث ما هو إلا مجرد مخيالات وأساطير التراثيين... الخ.
لكن، إذا فهمنا وجهاً من أوجه اصطلاح «التاريخ» بكونه يعني كل ما يشمل «الداتا المادية» (من سجلات مكتوبة معاصرة وأيقونات ونقوش وعملات...)، وكل ما عدا هذه الداتا ليس تاريخاً كما يفيد معظم نقاد التاريخ، فهل لدى هاوتينغ أيّ من تلك الداتا وهو يدّعي «التاريخ» بديلاً من «الجدل» الذي اتسم به التراث الإسلامي كما يقول؟ في الحقيقة لا: هاوتيغ دائماً يشكك، لكنه، للأسف دائماً أيضاً يخرج صفر اليديين من أي بديل من تشكيكه (وحتى تشكيكه لم ينجح به ولم يرتق به لأن يحظى مرتبة «التشكيك التاريخي»). لا بل بالعكس، هاوتيغ، كما تبدى في الكتاب، كان معادياً لكل ما يصطدم به بما يخص أي دليل حسي تاريخي يمكن أنْ يجرح فوضاه التشكيكية. فإذا ما اصطدم بدليل تاريخي مثلاً، فإنه يلجأ، لا إلى تشويه الدليل التاريخي وحرف الإشارات التاريخية له عن مسارها الدلالي فحسب، بل يلجأ كذلك، بكل بساطة، إلى ممارسة رياضة التأويل والتأويل المضاد من غير انضباط منهاجي (أنظر اليه مثلاً كيف يشكك ويحرف لفظة «المشركين» عن مسارها الدلالي في نقش أورده آرثر جفري، ص 70).
هاوتيغ لا يتناول الشرق كداتا تاريخية لها وجودها التاريخي، وإنما يتناوله بعد أنْ يُبطله من العملية التاريخية، أي نزع الشرق من التاريخ وإحالته، من ثم، إلى فضاء التأويل وتأويل التأويل وهلم جرّا. إنّ المشرق ليس نصاً تاريخياً، بمقدار ما هو نص مخيالي يستطيع «المنقّح الجديد»، هواتينغ، أنْ يمارس من خلاله غوايته الهرمنوتيكية أو الاستشراقية المتحللة من المعرفة التاريخية. وإذا كان الحال هكذا، فبإمكان الكل إبداء وجهة نظره في هذا النص المخيالي، في إمكانه ممارسة غواية التشريق من دون شرق، طالما أنه ليست هناك أية ميثودولوجية يمكن أنْ تقيّد تلك الغواية وتضبطها. هكذا، بإمكان هذا المنقح، بكل سهولة، وبجرة قلم، إنكار الاستحقاقات الدينية كلها لبيئة الحجاز، من جهة؛ ونقل مصادرها التأسيسية إلى بيئة أخرى غير الحجاز، ربما إلى «مكان ما» مثلاً في بلاد الرافدين (وتعبير «مكان ما» هو لهاوتينغ من غير إعطائه أي تحديد مكاني. وهذا لئلا يشعر بأي التزام نقدي حيال تحديد هذا ال «مكان ما»)، من جهة ثانية. بالطبع يحدث هذا من غير أنْ يشعر المنقح بأي حرج نقدي.
أما لماذا لا يشعر هذا المنقح الجديد بأي حرج نقدي، فلأنه بالأصل في حلٍّ من أي التزام أكاديمي، من التاريخانية، من أية منهاجية سوى ممارسة التشكيك، لكن فوضوياً. لنسأل هنا: ماذا يريد هاوتيغ قوله بعد أن استوفى أستاذه وانسبرو والمدرسة الأنغلو-ساكسونية كل ما من شأنه التشكيك بالرواية التراثية؟ إنه على رغم أنّ بؤرة فوضى هاوتينغ تقوم على درس الوثنية، بيد أنّ الهدف العميق من ذلك، ربما، ليس الوثنية بحد ذاتها، وإنما القضاء على أيّ نقد تاريخي يتناول المشرق، أو بالأحرى القضاء على تاريخ المشرق، وإحالة البيئة التاريخية التي خرج منها الإسلام إلى اللاتاريخ. لا يهدف هاوتينغ فقط من خلال تأكيداته أنّ ألفاظ «الإشراك» والإحالات إلى الوثنية التي وردت في القرآن بكونها لا تشير إلى عالم وثني «حقيقي» (برأيه ليست هناك وثنية عربية حقيقية، بل اتجاهات توحيدية، يهو - مسيحية، حيث كانوا يتهمون بعضهم بعضاً بالوثنية كل من هو على التوحيد غير الكامل أو ما يُدعى ب «Soft Monotheism»)، بل يهدف كذلك إلى حذف المشرق التاريخي من خلال حذف كل المصادر التراثية التي تحيل إليه والاستعاضة عن ذلك بخلق مشرق جديد. بيد أنّ هذا المشرق الجديد الذي تسعى اليه زمرة المنقحين الجدد ليس له أي وجود تاريخي، سوى في رؤوسهم المخيالية، سوى في عالم الخيال والرياضات الهرمنوتيكية التي تعادي التاريخ.
يقف جزء من الإشكال عند هاوتينغ أنه بسبب أنّ بعض الروايات التراثية لا يفيد بالحقيقة التاريخية أو أنّ بعضاً منها يناقض الآخر... الخ، فإنه يقوم برمي كل التراث وترك البيئة التي أرّخ لها التراث معلقةً بين قوسين هكذا من دون أيّ تاريخ. الموقف عند هاوتينغ ببساطة: إما كل شيء وإما لا شيء all-or-nothing، كما أفاد مرة فرد دونر F. Donner. بيد أنّ هذا الموقف لا يؤسس فحسب إلى «جدالية» أخرى، ليغدو التاريخ الإسلامي، بالتالي، مجرد «وجهة نظر» (طالما أنه ليس هناك أي ضابط تاريخي -نقدي)، وإنما يساهم كذلك بجعل ساحة المشرق ساحة صراع بين آراء محتفلة، بين استشراق واستشراق آخر مضاد (طالما أنّ هاوتينغ، ومعه زمرة التنقيحيين الجدد، في حلّ من الحسّ النقدي الميثودولوجي).
هاوتينغ لا يمثل، في نهاية الأمر، إلا خطوة أخرى في استكمال الفوضى اللانقدية التي شرع بها جون وانسبرو في الربع الأخير من القرن العشرين. إنها خطوة تثبت مدى تأزم ميدان الدراسات الإسلامية في ميادين النقد الاستشراقية التي تدّعي الانتماء إلى مدرسة «التنقيح الجديد» أو «التاريخ الجديد». لكن في إمكان المرء أن يندهش: كيف «التاريخ الجديد» وفي الوقت نفسه ليس لدى هاوتينغ أي بديل تاريخي عما يشكك به!؟ كيف «التاريخ الجديد»، وفي الوقت نفسه معاداة التاريخ!؟ كيف يستقيم الأمر بإعادة هيكلة تاريخ المشرق، وفي الوقت نفسه تعرية المشرق من كل تاريخ!؟
* كاتب سوري


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.