بعدما فشل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو في طمأنة المستثمرين الاجانب بالتزامه سياسة التحرير الاقتصادي وتطبيق "الخصخصة" لإنقاذ الاقتصاد الاسرائيلي المتدهور، بدأ خصومه الذين يدعمون منافسيه على رئاسة الحكومة في انتخابات 17 أيار مايو المقبلة يستغلون هذا الفشل وتحميله مسؤولية نتائجه، خصوصاً بعد التراجع السريع الذي سجله سعر صرف الشاقل منذ آب أغسطس الماضي، وساهم في ارتفاع القيمة الحقيقية لإجمالي الدين العام بنسبة خمسة في المئة ليصل الى 411 مليار شاقل اكثر من مئة مليار دولار بنهاية العام 1998 في مقابل 361 مليار شاقل في نهاية 1997، وأصبح يشكل هذا الدين 111 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي. ولعل اهم دليل على فشل السياسة المالية التي اعتمدها نتانياهو، استقالة وزيرين للمالية من حكومته خلال أقل من سنة ونصف سنة، الاول دان ميريدور الذي استقال في حزيران يونيو 1997 بسبب معارضته خطة الحكومة حول تحرير اسواق صرف العملات الاجنبية، من القيود المفروضة منذ قيام الدولة العبرية العام 1948، وكان يخشى ان يؤدي توسيع هامش التقلبات الى اعادة النظر في قيمة الشاقل الامر الذي يؤثر على الصادرات. وبعد اقل من سنة ونصف سنة، وبالتحديد في منتصف كانون الاول ديسمبر 1998 استقال وزير المالية الثاني ياكوف نئمان اثر خلافه مع نتانياهو على مشروع موازنة 1999 والذي رفض الكنيست التصديق عليها في أواخر كانون الاول الماضي وردها الى الحكومة، وقد وصف زعيم المعارضة العمالية ايهود باراك ذلك بأنه "يكشف مرة اخرى افلاس الحكومة". ومنذ ذلك التاريخ، يتولى نتانياهو نفسه حقيبة وزارة المالية وهو يواجه تناقضات المشاكل الاقتصادية والاجتماعية خصوصاً ما يعود منها الى مطالب الاحزاب المتشددة في الائتلاف الحكومي والتي تكلف اكثر من 370 مليون دولار، الامر الذي يزيد من مشكلة تأخير اصدار الموازنة، مع العلم انه سبق لموازنة العام 1998 ان تأخرت بضعة ايام حيث صدقت في مطلع العام، في حين ان اسرائيل دخلت شهر شباط فبراير من دون موازنة لعام 1999، وهي المرة الاولى في تاريخ الدولة العبرية. وتبرز اهمية الموازنة السنوية لإسرائيل كونها تمثل برنامجاً تفصيلياً للانفاق الحكومي، وتعكس في الوقت نفسه التوجهات الاساسية للسياسات الاقتصادية والاجتماعية. وقد عكست الموازنات الاسرائيلية في السنوات 1992 - 1999، الوضع القائم في الاقتصاد الاسرائيلي. وعلى رغم دخول اسرائيل عملية السلام مع العرب، في نهاية العام 1991، غير ان هيكليات الموازنات لم تتغير بشكل نوعي، ويمكن من خلالها القول انها موازنات السلام. لقد تطورت موازنات الكيان الاسرائيلي خلال السنوات الخمس الاخيرة من 49 مليار دولار العام 1995 الى 8.55 مليار دولار العام 1996، والى 63 مليار دولار العام 1997، ثم تراجعت الى 59 ملياراً العام 1998، والى نحو 53 مليار دولار العام 1999. ولوحظ التراجع في ارقام الموازنة مع تراجع الآمال في نجاح مفاوضات السلام في المنطقة. اما اهم بنود الموازنة التي بقيت على حالها خلال السنوات الماضية، فهي: اولاً: حصة الدفاع والامن وتتراوح بالمتوسط بين 16 و19 في المئة من الانفاق العام. يضاف الى ذلك 8.1 مليار دولار الى حجم الانفاق العسكري، هي قيمة المساعدات الاميركية العسكرية السنوية لإسرائيل. ثانياً: الانفاق على الخدمات الاجتماعية، ويبرز في هذا المجال سياسة الحكومة في دعم هجرة اليهود من مختلف بلدان العالم خصوصاً من روسيا. وقد خصصت الموازنات اكثر من 12 في المئة من انفاقها لبناء مزيد من المستوطنات وجذب مهاجرين جدد. ثالثاً: تخصيص ثلث قيمة بنود الانفاق لسداد الديون المتراكمة التي وصل حجمها في نهاية العام 1998 الى اكثر من مئة مليار دولار، وقد حذر بنك اسرائيل في تقرير رسمي صدر اخيراً من ارتفاع هذا الدين، ووصفه بأنه يضر بالموقف المالي لإسرائيل عالمياً. ويستدل من ذلك ان موازنات السنوات الماضية، هي موازنات حرب على رغم حديث المسؤولين الاسرائيليين المتكرر عن تمسكهم بعملية السلام في منطقة الشرق الاوسط. واذا كان نتانياهو قد فشل في سياسته المالية والاقتصادية خلال السنوات الاخيرة، فإن المستثمرين الاجانب ينظرون بقلق الى تطور سياسة الحكومة الاسرائيلية، وهم يؤكدون في هذا المجال انه لا يمكن للاقتصاد الاسرائيلي ان يسجل اي نمو في ظل غياب عملية السلام، وان كل تأخير في تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة من شأنه ان يعرقل المسيرة الاقتصادية ويجعل الاقتصاد الاسرائيلي بحاجة اكثر فأكثر الى المساعدات الاميركية التي قدرت بنحو 75 مليار دولار خلال فترة 48 سنة من 1951 حتى 1998، وهي تؤمن حالياً 600 دولار سنوياً لكل شخص في اسرائيل. ووفق معلومات اوردتها صحيفة "يديعوت احرونوت" بالاستناد الى تقرير أعده المكتب المركزي للاحصاء الاسرائيلي، يلاحظ ان ثمة انخفاضاً كبيراً في الاستثمارات الاجنبية في اسرائيل. ففي الربع الثالث من عام 1998 انخفضت الاستثمارات الاجنبية بنسب 73 في المئة ووصلت الى 341 مليون دولار فقط مقابل 273.1 مليار دولار في الفترة المقابلة من العام 1997. ويعود سبب الانخفاض في تموز يوليو - أيلول سبتمبر 1998 الى الازمات الاقتصادية الصعبة في جنوب شرقي آسيا وروسيا، والتي دفعت المستثمرين الى وقف الاستثمارات في اسرائيل وسحب مبالغ مالية كبيرة. ومن اجمالي الاشهر التسعة الاولى من العام 1998 يتضح ان الاستثمارات الاجنبية تراجعت بنسبة 8.42 في المئة، وبلغت 6.1 مليار دولار في مقابل 8.2 مليار دولار في الاشهر التسعة الاولى من العام 1997. ويشير تقرير صادر عن اتحاد ارباب الصناعات الاسرائيلية الى ان البطالة وصلت الى 2.9 في المئة اي الى 200 ألف عاطل عن العمل بزيادة 30 ألفاً عن عام 1997. وتوقع الاتحاد ان يكون العام 1999 اسوأ من العام 1998 بحيث تتعمق البطالة وتصل الى 5.10 في المئة. اما بالنسبة الى تقسيم عبء البطالة بين شرائح المجتمع الاسرائيلي، فقد اشار تقرير مصلحة تخطيط القوى البشرية في وزارة العمل والرفاه الاجتماعي الى ان "الزيادة العامة في نسبة البطالة في الاقتصاد ستؤذي النساء والمهاجرين الجدد وسكان بلدات التطوير". وتوقع التقرير زيادة البطالة بنسبة 5.17 في المئة لدى المهاجرين الجدد، في مقابل فقط زيادة 5.8 في المئة في صفوف القدامى وسكان المدن الكبيرة. واذا كانت الهجرة اليهودية قد ساهمت نسبياً في زيادة عدد الاغنياء حسب مصادر هجرتهم وكفاءاتهم، فإن نسبة كبيرة من هؤلاء المهاجرين ساهمت في زيادة عدد الفقراء داخل اسرائيل. وللتدليل على مدى مساهمة الهجرة في زيادة عدد الفقراء اشارت "يديعوت احرونوت" الى ان كل خامس عائلة في اسرائيل وما يقارب الربع من العجزة والمهاجرين الجدد هم فقراء. وخط الفقر، هو خط احصائي تعتمده الدراسات الاقتصادية والاجتماعية، وكلما ارتفع الاجر في الاقتصاد يرتفع معه خط الفقر، ومن بين اسباب الزيادة في عدد الفقراء في اسرائيل، هو خط الفقر الذي ارتفع بنسبة 8 في المئة خلال العام 1995 للدخل من 1516 شاقل للزوجين و2009 شاقل لزوجين وولد واحد. لكن المشكلة الاكثر خطورة في اسرائيل هو ان ثلثي الاجراء يتقاضون اجراً لا يزيد عن متوسط الاجر البالغ 42000 شاقل صافي في الشهر، وتزداد الخطورة عندما يتبين ان متوسط الاجر ارتفع بنسبة 7.7 في المئة، بينما زادت مخصصات الضمان الاجتماعي بنسبة منخفضة كثيراً 3.2 في المئة، ما يعني ان الذين يحصلون على مخصصات اجتماعية، حصلوا على اقل بكثير مما كان يفترض ان يتقاضوه من الدولة الامر الذي يساهم في اتساع الفجوة بين الفقراء والاغنياء. وهكذا، تستعد اسرائيل في ظل كل هذه المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية السلبية، لإجراء الانتخابات في 21 ايار مايو المقبل