تخلّف وليد عقل عن موعده مع الجمهور اللبناني أواسط الشهر الماضي. لم يحيِ أمسيته الموسيقية في جعيتا، داخل المغارة المائية الشهيرة، كما كان مقرّراً، إذ أقعده عن السفر وجع في الصدر سببه انسداد في شرايين القلب، ولعلّه طالع من الأعماق المتأجّجة. ووليد عقل لن يحيي بعد اليوم أي أمسية أخرى. فعازف البيانو اللبناني الذي توقّف قلبه عن الخفقان، أثناء عمليّة جراحيّة دقيقة في عيادة فرنسيّة قبل أيّام، رحل على حين غرّة بالهدوء الارستقراطي نفسه الذي عاش فيه: من دون أن يلتفت حوله أو يتعمّد اثارة انتباه أحد. رحل عقل في الثانية والخمسين من العمر، بعد أن ربح رهانه، ونال اعتراف أرقى المراجع الموسيقيّة في العالم. رجل التحديات الصعبة والخيارات الصامتة الذي عاشر المدوّنات الموسيقيّة طويلاً، تعلّم كيف يغوص في المقطوعات، ويذوب في النوتات والأنغام، ليعطيها شكلاً ونكهة وملامح وشخصيّة، ويحمّلها بالمشاعر والتأويلات والرؤى الفلسفيّة. فاذا به يتلاشى هذه المرّة نهائياً في المشهد المجرّد... ويبلغ نقطة اللارجوع. وإذا به يرحل تاركاً في بال جمهوره الواسع ومحبّيه، ذكرى ذلك الطيف النحيل الأنيق بال "سموكن"، بشعره المرسل وقامته المنحنية قليلاً، كأنّه دائم الاستعداد للوقوف - كما بعد انتهائه من تأدية معزوفة في حفلة عامة - والاستناد إلى طرف البيانو لتحيّة الصالة المشتعلة بالتصفيق والهتاف. كانت لوليد عقل ملامح تذكّر بالموسيقيين الرومنطيقيين، وكان يرى فيه بعض الاصدقاء شيئاً من فرانز ليست... أما في مسيرته الفنيّة، فتطرّق إلى المدارس كلّها من الباروك حتّى العصر الحديث، ارتاد باخ وبيتهوفن، ووضع من ذاته الشرقيّة في عزف مؤلفات الموسيقيين الروس بروكوفييف وتشايكوفسكي وراخمانينوف... لكنّه تجلّى في ادائه لأعمال النمساوي جوزف فرانز هايدن الذي يعتبر أحد أبرز عازفيه المعاصرين، باعتراف نقاد عالميين. وقد سجّل أعمال هايدن الكاملة على 14 أسطوانة مدمّجة. ولوليد عقل، ابن المحيدثة، مع البيانو علاقة غريبة، فهو التقاه مراهقاً وتعلّق به، وقرّر أن يمتهن العزف عليه مع أن أي شيء في تربيته ووسطه العائلي لم يكن يؤهّله لذلك. قرّر الابحار عكس تيّار ثقافته وبيئته، فسافر إلى فرنسا لدراسة الموسيقى واستقرّ فيها منذ مطلع الستينات. فيها عاش هذا الشرخ بين تراثه العربي الشرقي من جهة، والبنية العقلانيّة الغربية، بأنماطها ومعاييرها الصارمة. خاطر بخسارة موقعه الأصلي من دون أن يضمن مكانة مرموقة على الضفّة الأخرى. "نحن ننتمي إلى حضارات سماعيّة ايقاعيّة موسيقاها زخرفة وترفيه، وطرب وامتاع حسّي مباشر. أما منابع الموسيقى الكلاسيكيّة، ف "كوراليّة" وباروكيّة ومرتبطة بالانشاد الكنسي أوّلاً، ثم بحضارة القصور الأوروبيّة في القرنين الثامن والتاسع عشر". وعقل الذي كان يذكّر في كلّ مناسبة أن جهد العازف لا يقلّ أهميّة عن جهد المؤلف، وأن عمله هو ابداع قائم بذاته، وجد طريقه في العزف بعد أن كلّفه ذلك الكثير منذ البداية. فهو اعترف في السنوات الأخيرة كم عانى من الانقطاع عن جذوره، وكم واجه وحيداً من تحديات قاسية، في أدغال "مهنة لا تقبل الوافدين إليها بسهولة"! وذهب الفنّان إلى نبش مقطوعات موسيقيّة للفيلسوف الالماني فردريك نيتشه، لا علاقة ظاهريّة بينها وبين نتاجه الفكري. وكان أوّل من عزف مقطوعات من تلك الموسيقى المنمنمة الأنيقة التي هي أقرب إلى الفالس والمازوركا والأغنيات الهنغاريّة، منها إلى عنف موسيقى فاغنر ذات القرابة الروحيّة مع السوبرمان النيتشوي. وفي بيته الريفي على مقربة من باريس، حيث كان يعيش وسط الطبيعة بين كتبه وآلات البيانو الأربع التي تحتلّ غرفة الاستقبال، مع القطّة العجوز رفيقة خلوته الوحيدة، تحدّث قبل عامين ل "الوسط" عن تلك التجربة، وعن مغامرته الفنيّة. كان النور ينساب من النوافذ المشرّعة على ديكور رومنطيقي، يتناسب تماماً مع شخصيته. سجّل وليد عقل 8 مقطوعات لنيتشه، مع مقطوعات أخرى لفاغنر وفرانز ليست، وهم من المؤلفين الأقرب إلى الفيلسوف الالماني: "من المهمّ جدّاً أن نعرف أن حياة هذا الفيلسوف، كانت تنطوي على علاقة خفيّة بالموسيقى، وذلك على مستوى الاحتراف لا كهواية عابرة". وردّاً على الذين وجدوا أن مؤلفات نيتشه لا تمتلك سمات تجعل منها موسيقى استثنائية، قال عقل يومها إنّه لا يطلب من تلك الموسيقى أن تكون عظيمة واستثنائية. "لا بل قد يكون من غير الطبيعي أو غير المنطقي أن تكون استثنائية. فمسوّغ وجودها الأول هو الكشف عن جانب خفي وحميمي في حياة هذا الرجل عبر أناقة قصوى في التأليف. ولا يخفى على أحد ان هناك العديد من المؤلفين العظماء مثل بيتهوفن وشومان تركوا معزوفات لا قيمة لها، وهذا لا يعني شيئاً ولا يؤثر على قيمتهم". تعامل وليد عقل مع مؤلفات نيتشه الموسيقىة، تماماً كما تعامل مع معزوفات بيتهوفن والآخرين. ومن المنطلقات نفسها أبدى الفنّان أهتماماً بالشاعر الاسباني فيديريكو غارثيا لوركا الذي وضع مؤلفات للبيانو، وبالكاتب الفرنسي جان جاك روسو الذي كتب موسيقى لا علاقة لها "بالعقد الاجتماعي"، وبالكاتب الروسي بوريس باسترناك... وكلّما وصل الحديث إلى هايدن، كانت ملامح وليد عقل تتغيّر وتتسع حدقتاه بالتماعة خفيّة: "إنّه جزء من حياتي - كان يردّد - هايدن صاحب أكبر عبقرية موسيقية. إنّه أستاذ موزار وبيتهوفن، والأساس الذي ارتكز عليه تيار موسيقي بأكمله. وجميع أعماله المعروفة وغير المعروفة روائع تدل على عبقرية كبيرة". وكان يضيف دائماً: "يهيأ لي عندما أنظر الى أعمال هايدن الكاملة انني أعيش حياته. كأنني أقوم بزيارته يومياً. ولا أعني حياته اليومية بل حياته الروحية والذهنية. فحياة المؤلفين اليومية لا تهمني ولا تقدم شيئاً مفيداً في العزف. المعزوفة تختزن كل ما هو ضروري وأساسي وتشفّ عنه". إستغرق تسجيل اسطواناته لأعمال هايدن سبع سنوات، وهي حتّى اليوم التسجيلات الكاملة الوحيدة في العالم التي تضمّ أعمال هايدن للبيانو. وقد حصل عقل على مخطوطات أعمال غير معروفة لهايدن، بمساعدة المؤرخ الموسيقي لاندن ومتحف فيينا، مما أعطى أهمية علمية لتسجيلاته، تضاف إلى أهميتها الفنية. وعلى أحد رفوف مكتبة الفنّان الراحل، كان يلفت النظر اطار زجاجي يضم أربع صور صغيرة له مع العازف الروسي ريختر. والصور أخذت في لبنان صيف 1969، يوم دُعي ريختر الى "مهرجانات بعلبك". يومها وجد العازف الشاب نفسه "أمام اسطورة". كان يعرف جميع تسجيلاته، حتى التسجيلات المسروقة والمطبوعة من دون إذنه. وروى عقل ل "الوسط": "استغرب ريختر كثيراً اهتمامي به، ومعرفتي المتقصية لأعماله. لم أعزف أمامه شيئاً، على عكس ما توقعه الجميع. لكنني لم أتوقف خلال الأيام الثلاثة التي قابلته فيها عن طرح الاسئلة، كما لو انني وجدت نفسي فجأة أمام نبع معرفي، أردت أن أستقي منه كل ما في وسعي. أردت يومها أن أعرف كل شيء". وكان لهذا اللقاء دوره الحاسم في تبلور شخصية عازف البيانو العالمي الذي صاره... والذي رحل مبكّراً تاركاً لنا اسطواناته وأسراره .