ينقل عالم الاجتماع العراقي"علي الوردي"في كتابه"دراسة في طبيعة المجتمع العراقي"عن السيد هبة الدين الشهرستاني قوله:"صار العالم والفقيه يتكلم من خوفه بين الطلاب غير ما يتلطف به بين العوام وبالعكس، ويختار في كتبه الاستدلالية غير ما يفتي به في الرسائل العملية، ويستعمل في بيان الفتوى فنوناً من السياسة والمجاملة خوفاً من هياج العوام.. فإذا سكت العلماء ولم يزجروهم أو ساعدوهم على مشتهياتهم غلبت زوائد الدين على أصوله، وبدعه على حقائقه، حتى يمسي ذلك الدين شريعة وثنية همجية تهزأ بها الأمم". إن سطوة العامة على الخاصة، والجمهور على النخبة، لا تقف عند الشيعة، بل إنها تمتد إلى أخوتهم من أهل السنة كذلك. إن الداعية، أو الشيخ، أو الفقيه المحظوظ إعلامياً والمعشوق جماهيرياً هو من يتماهى مع رغبات المحبين وأهواء المريدين. قبل ما يقرب من سبعة أعوام، قال أحد مشاهير الدعوة، بعد أن لبى دعوة لمشاهدة فيلم سينمائي في إحدى السفارات الأجنبية الصليبية، إن وجه المرأة ليس بحرام. وعندما خرج إلى العامة، ثاروا في وجهه، فعاد عن رأيه، وثاب إلى رشده وأناب إلى ربه! وفي عز المجد الصحوي وغلبة ذهنية التحريم، كان يُنظر للفقيه الذي يُغلّب الحلال على الحرام نظرة استخفاف واستهتار، فيقال عنه:"هذا مذهبه سمح"، ويُهمَل قوله. أما من يُغلب الحرام على الحلال، فينظر له نظرة تبجيل وتعظيم، ويؤخذ بقوله! إذنْ، العلاقة بين المفتي والمستفتى هي علاقة تفاعلية، بمعنى أنها ثنائية الاتجاه، وليست أحادية كما يبدو للناظر. فإذا كان المفتي يؤثر في مستفتيه، فإن مستفتيه يؤثر فيه. ولو أن أحدهم ذهب وعاش في بلاد أخرى، فإنه ليس ببعيد أن يكيف فتواه بحسب أحوال البلاد والعباد. ليس الدين وحده من يشهد مثل هذا النمط من العلاقات المتشابكة بين التابع والمتبوع، بل إنك تجد مثلها في ميادين أخرى، كما في الفن والثقافة والسياسة. إن أكثر المغنين في هذا الزمان لا يغنون كما يودون ويشعرون، وإنما كما يطلب منهم المستمعون. من ينزل إلى مستوى الجماهير، فستنسكب عليه الأضواء، ويعلو صيته، ويمتلئ جيبه. وأما من يختار البقاء فوق مستوى الجماهير، فستنحسر عنه الأضواء، ويخبو صيته، ويفتقر جيبه. وما يسري على الفنان يَسري بدوره على المثقف. إن المثقف الذي يُسمع العامة ما لا تود سماعه، ويفتح عيونها على ما لا تود رؤيته، هو مغضوب عليه. وأما ذاك المثقف الذي يكتب ما ترتاح إلى سماعه الآذانُ، وما تطمئن لذكره القلوبُ، فهو نصير الجمهور وضمير الأمة. وبمناسبة ضمير الأمة، فقد قال لي أحد الأصدقاء بعد أن انتقدت سلوك قناة"الجزيرة":"يكفي هذه القناة شرفاً أنها تمثل نبض الشارع وصوت من لا صوت له"، قلت:"تلك هي الطامة الكبرى، فالشارع العربي عاطفي لا واقعي، غوغائي لا عقلاني، شارع تدغدغه الشعارات الطنانة، وتطربه الخطب الرنانة". أما في السياسة، فقد كان لضغوط العامة، أو ما يعرف بالشارع العربي، على قرارات الساسة نتائج وخيمة وكوارث عظيمة. يسوق الكاتب والباحث شاكر النابلسي في كتابه الموسوم ب"الشارع العربي مصر وبلاد الشام: دراسة تاريخية سياسية"جملة من المشاهدات التاريخية، والتي استجابت فيها الحكومات لضغوطات الشارع وإملاءاته، وهو ما جعلها، - أي الحكومات - في آخر المطاف تعض أصابع الندم. فمن ذلك، انسياق عبدالناصر وراء الشارع العربي الهائج المائج من دون ترتيب وتدريب، فكانت النتيجة هزيمة مذلة في عام 1967. وفي عام 1990، أسكرت الرئيس العراقي النافق صدام حسين هتافات الرعاع الجياع في أكثر شوارع العالم العربي، فطغى وتجبّر، وأبى واستكبر، فكانت"أم الكوارث"هي العاقبة والمآل. [email protected]