فيما تقاتل القوات الأميركية أنصار الزعيم الشيعي مقتدى الصدر في ضواحي بغداد، تتحرك الأحداث في مدينتي الفلوجة والرمادي السنيتين وغالبية مناطق محافظة الأنبار باتجاه عرقلة الخطط الأميركية لبناء "ديموقراطية علمانية" في العراق. وتسيطر ميليشيات أصولية على غالبية مناطق الأنبار ومن ضمنها الرمادي والفلوجة، فيما ينحصر الوجود العسكري الأميركي في قلاع محمية في أطراف الصحراء. ويظهر التأثير الضئيل للقوات الأميركية عبر هجمات حذرة بمدرعات وبقذائف موجهة بأشعة الليزر تدمر المنازل الآمنة التي يلجأ اليها المسلحون ويكشف الأميركيون موقعها من خلال "كشافة" يخرقون صفوف المسلحين. ويبدو أنه حتى القصف الأميركي يعزز موقع هؤلاء الأصوليين الذين يحمّلون الأميركيين مسؤولية سقوط ضحايا في صفوف المدنيين. كما ان الجهود الأميركية لبناء نظام حكومي يديره مسؤولون في الجيش العراقي المنحل وقوات الشرطة والبيروقراطيون الذين كانوا مستعدين للعمل مع قوات "التحالف" بقيادة واشنطن، انهارت. وبدلاً من التعامل مع القوات الأميركية، استقال معظم هؤلاء الموالين للنظام السابق أو انضموا الى الأصوليين تحت وطأة التهديد بقطع رؤوسهم والخطف والاذلال، فيما قُتل آخرون. ووضع منفذو سياسات النظام المخلوع ومن ضمنهم الحرس الجمهوري أنفسهم في خدمة رجال دين أصوليين كانوا يعذبونهم ابان عهد صدام في معتقل "أبو غريب". في الأسابيع الثلاثة الماضية، أزيل ثلاثة من رجال النظام العراقي المخلوع كانوا عينوا في مناصب مهمة في الفلوجة والرمادي، على يد مسلحين أصوليين وحلفائهم من البعثيين. فقَطَعَ مسلحون أصوليون رأس قائد فرقة الحرس الوطني العراقي سليمان مرعاوي في الفلوجة، ما أدى لاحقاً الى تفكك هذه القوة العسكرية. أما محافظ الأنبار عبدالكريم برجس فاضطر الى الاستقالة بعد خطف أبنائه الثلاثة، في حين اعتقل جنود من مشاة البحرية الأميركية مارينز رئيس شرطة الرمادي بسبب تعامله مع مسلحين مناهضين ل"التحالف"، بعدما تعرض لثلاث محاولات اغتيال. كما أُرغم حاكم الأنبار وقائد الحرس الوطني على الإدلاء باعترافات "مذلة"، دانا فيها نفسيهما ك"خائنين" في أشرطة تباع في الفلوجة بما يعادل 50 سنتاً أميركياً. ويظهر قائد الحرس الوطني في الشريط وخلفه رجال ملثمون تلوا بياناً، ثم أمسكوا بشعره ورموه على الأرض في مشهد مذل، وقطعوا رأسه بسكين. أما محافظ الفلوجة فيظهر حاملاً صورة له برفقة ضابط أميركي وهو يبكي ندماً على تعامله مع "الأميركيين الكفار" ثم "يكافأ" بلقاء حزين مع أبنائه الرهائن الذين استقال في مقابل اطلاقهم. وكانت القوات الأميركية انسحبت في ربيع العام الجاري من الفلوجة لمصلحة قوة من الجيش العراقي المنحل بقيادة ضابط سابق، بعدما تبين أن الانتصار العسكري قد يأتي فقط مع تدمير المدينتين. لكن عناصر هذه القوة يقفون على الحواجز العسكرية مع الأصوليين المسلحين، فيما فر معظم عناصر الحرس الوطني من المدينة بعدما سلموا أسلحتهم الى الأصوليين. ويعتبر مركز قوة الناشطين الأصوليين مسجداً في الفلوجة يديره الشيخ العراقي عبدالله الجنابي الذي أسس لحكم يشبه نظام "طالبان" في المدينة، إذ يأمر بجلب المتهمين بالسرقة والاغتصاب وغيرها من التهم الى المسجد ثم يُصدر في حقهم أحكاماً تتراوح من الجلد الى قطع الرأس. لكن يبدو أن الجنابي يعمل بالتحالف مع جماعة "التوحيد والجهاد" الاسلامية المتطرفة التي يتزعمها الاردني "أبو مصعب الزرقاوي". ويظهر في أشرطة "الذبح والإذلال" المعروضة للبيع في الفلوجة علم بالأسود والأصفر لجماعة الزرقاوي، فيما يقول عراقيون إن صوت الملثم الذي تلا بياناً قبل اعدام رهينة مصري اتهم بالتجسس لمصلحة الأميركيين، ليس عراقياً بل ان لغته الفصيحة ولهجته تدلان الى أنه إما أردني أو فلسطيني.