ساحة الصراع في عراقنا الحبيب بدأت تنجلي الغبرة منه يوماً بعد يوم، وتتضح معالم صورة رجل التحرير في بلاد الرافدين، بعد أن سحرتنا دولة المكدونالدز بحلم اليقظة الجميل عوض كوابيس الطاغية صدام، ونظامه البعثي النازي الذي اثقلت أعماله الشنيعة حواسنا، وأغرقت مغامرات حروبه قطاعات من الشعب العراقي، وجعلتهم يعلقون آمالهم على أي قشة تنقذ البقية الباقية من متاهات قد يقترفها الأمين العام لحزب البعث الخالد في عراقنا المنكوب. استفقنا منه في أول خطوة يزفها لنا المنقذ الأميركي بكسره أبواب حضارة العراق وخزائنه، ويهتف ويصيح: هلم علي باب خذ ما تشاء! وأصبحت البلاد بين ليلة وضحاها مرتعاً للصوص، وفتحت الحدود لكل من هب ودب، وبدلاً من أن ينعم الشعب بقسط من الأمن والسلام أصبحنا تحت رحمة خفافيش الظلام. كانت تلك أولى صور الاشمئزاز، ولكن هون علينا سقوط الطاغية، وفرار البعثيين في جحور الفئران. وتعالت الفرحة حين سقوط رأس الاجرام، وزادت آمالنا بتحقق حلمنا الأميركي الفريد، وحانت اللحظة لتحقيق دولة أفلاطون المثالية من اقتصاد رفيع، ودستور يضمن للجميع حريتهم وحقوقهم، ويحقق للغالبية حقها الدستوري والسياسي بعد سنين من الاضطهاد العنصري والطائفي الذي كانت فيها الامتيازات تقرر بحسب درجة القرابة للعائلة أو للعشيرة، وللمذهب وللقومية، والأهم من كل هذا مدى الولاء للزعيم صدام. وعدا هؤلاء فهم مخلوقات حالهم كحال الذباب، كما صرح أستاذهم خير الله الطلفاح. الا ان هذا الحلم الجميل ذهب رونقه بقانون ادارة الدولة الجديد. فهو على رغم مقاطعه الجميلة التي تبشر بكل معالم العولمة لقريتنا الكونية الصغيرة الا ان الفقرة جيم جعلت منه صورة أخرى اشمأزت منها النفوس واحتارت: كيف يمكن لصندوق الاقتراع ان يطلق لحرية الشعب الاختيار، وحرف الجيم من قانون الدولة وفقرات أخرى وضعت القيد على ارادته، وصادرت للغالبية مرة أخرى امتيازاتها؟ ومع هذا اختار الخيرون أحلى الأمرين في سبيل ديمومة الحلم الأميركي الجميل، على أمل تحقق وعودهم الأكيدة. الا انه بين ليلة وضحاها هدرت الدماء، وسحقت الأجساد لأتفه الأسباب، وهدمت المنازل على سكانها. وانتشرت الأفلام والصور المقيتة التي مزقت كل شيء متبقٍ من الحلم الأميركي الجميل، وجعلت منه كابوساً فظيعاً حتى عند أقرب المقربين لهم. فهذا السيد مسعود البارزاني يصرح حول التصرفات الأخيرة لقوات التحرير: "ان قوات التحالف اذا استمرت على هذا المنوال في أعمالها ستتحول من قوات تحرير الى قوات احتلال". وعلماً أن صورة المحتل حين تتجسد في قوات التحالف، روحاً وقالباً ستشمئز منها القلوب والأنفس. ومسك الختام في الحلم الأميركي هو الصور التي بثتها القنوات التلفزيونية الأميركية، ويظهر فيها رجال العدالة وهم يتلذذون بصور العراقيين العراة، ويكدسون أجسادهم كأنها أكياس النفايات والقاذورات. فتلك الصور مرفوضة بكل المقاييس، حتى لو كانت لمجرمين أو للصوص. ومثلما رفضت الانسانية التمثيل بأجساد القتلى الأميركيين احتراماً للإنسانية، يرفض أي انسان عاقل تلك الصور التي تشمئز منها البشرية جمعاء. فقد اعتبرها السيد بلير صوراً مهينة للإنسانية. وقال الأمين العام للأمم المتحدة، كوفي عنان، إنه يشعر بقلق عميق لصور الأسرى العراقيين الذين تساء معاملتهم ويهانون في سجن أبو غريب بالعراق. وعبّر الرئيس الأميركي، جورج بوش، عن عميق اشمئزازه من الطريقة التي عومل بها السجناء. هل يمكن أن تجعل تلك الصور الاشمئزازية أي أواصر ثقة واطمئنان بين الشعب العراقي وبين قوات التحالف؟ لا أعلم. هل يمكن أن تبني تلك الصور معاني الدولة المدنية الحديثة، من الديموقراطية الى العدالة الاجتماعية، الى دولة الرفاهية والحداثة؟ كيف سيمكن التنظير للمرحلة القادمة من الحلم الأميركي الجميل؟ صلاح التكمه جي [email protected]