أكد صاحب السمو الملكي الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية حاجة دول مجلس التعاون الخليجي جميعا إلي تحقيق مصالحها منفردة ومجتمعة من خلال تطوير استراتيجية اقتصادية وأمنية واضحة وموحدة مع الوفاء بمتطلبات القدرة العسكرية المشتركة الفعالة كأولوية قصوى مشيرا إلى أن ذلك لايعني بالضرورة التأثير على ما تحظى به بعض أو أي من هذه الدول من علاقات خاصة بالاخرين. وثمن سموه استجابة ايران لدعوات حل قضية الجزر الإماراتية عبر الطرق السلمية وعدها خطوة إيجابية في هذا الصدد بالإضافة الى المزيد من المشاركة الفعالة في الحرب ضد الإرهاب يشكل عاملا مساعدا آخر. جاء ذلك في كلمة لسمو الأمير سعود الفيصل خلال منتدى الحوار الخليجي الذي أختتم بالعاصمة البحرينيةالمنامة اليوم تحت عنوان / نحو إطار جديد للامن الإقليمي / واستمر ثلاثة أيام و فيما يلي نص الكلمة: أود بداية أن أعرب عن فائق تقديري لحكومة مملكة البحرين الشقيقة وللمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية لاتاحة هذه الفرصة المواتية لتبادل الآراء حول أحد أهم الموضوعات الدولية الراهنة والهامة لنا جميعا. ان أي نقاش يدور حول الامن الاقليمي ينبغي أن يواكب الاهمية الاستراتيجية لمنطقة الخليج وهي أهمية لاتحتاج الى تأكيد بيد انه وفي سياق الامن ينبغي أن نذكر أنفسنا بالاسس الهامة التي ترتكز عليها هذه الرؤية الاستراتيجية لمنطقة الخليج. تجمع كافة الاحصائيات والتقديرات الصادرة مؤخرا عن مختلف الوكالات الدولية والوطنية المعنية بالطاقة على ثلاثة موضوعات بشأن منطقة الخليج. 1 / ينعم الخليج بأكبر احتياطي للنفط والغاز الطبيعي في العالم. 2 / يحظى الخليج بأضخم طاقة انتاجية قابلة للزيادة فوق مستوياتها الحالية. 3 / ان أهمية الخليج كمصدر للطاقة تبقى في التنامي للاجل المنظور. يعتبر الخليج جزءا هاما لا يتجزأ من منطقة الشرق الاوسط سواء بمفهومه الشامل او المحدود وتحتل هذه المنطقة الجيواستراتيجية مركزا محوريا لاطول ازمة مستمرة يشهدها تاريخنا المعاصر متمثلة في الصراع العربي الاسرائيلي. ولا أخالني في حاجة الى تأكيد ما تمثله المنطقة من أهمية بالنسبة للعالم الاسلامي الذي تتسم علاقته المستقبلية مع الغرب بالاهمية والحساسية الشديدة في عالم البوم. يضاف الى ذلك التأثير الواضح للنظام العالمي الجديد الذي يتسم بالاحادية القطبية والعولمة الاقتصادية وبروز القوى الآسيوية الامر الذي يحمل من الصعوبة بمكان حصر موضوع امن الخليج بمعزل عن العوامل الاخرى. ومع كل هذه الاسباب المؤكدة على الاهمية الاستراتيجية لمنطقتنا غير انها لا تضمن في حد ذاتها تحقيق ما تصبو اليه دول المنطقة من امن واستقرار بل على النقيض تماما فان هذه الاهمية الاستراتيجية للمنطقة سببت في اغلب الاحيان الكثير من المخاوف والقلق ليس فقط لدى سكان الخليج انما العالم باسره كما كانت صرحا للنزاعات الفعلية والتوترات الرئيسية. تنشأ من هذا المنطلق الحاجة الملحة الى جهود مشتركة ترمى الى بلورة اطار جديد وراسخ لامن الخليج واسمحوا لى ان اشارككم بعض الافكار المبدئية حول هذا الموضوع. ان الاطار الجديد لامن الخليج ينبغي ان يقوم من الناحية الواقعية على اساس ثلاثة ابعاد رئيسية هي البعد المحلي الشامل والبعد الاقليمي والبعد الدولي. ويعتمد البعد الاول للاطار المطلوب لامن الخليج على الاوضاع الداخلية لبلدان المنطقة نفسها ونحن في المنطقة ندرك تماما الحاجة العاجلة للاصلاحات الشاملة في دولنا مع ما تمليه الاوضاع الاجتماعية لكل دولة على حدة من تباين في سرعة التنفيذ. وعندما اتحدث عن الاصلاحات الشاملة فانني اعني بذلك ما هو حقيقي وواقعي من اصلاحات سياسي واقتصادية واجتماعية وثقافية وليست مجرد تغييرات شكلية فقط. لذلك ينبغي لخطط التنمية ان تحظي بالاولوية وان تستجيب لحاجة الافراد في مجتمعاتنا في كل دولة على حدة كما ينبغي لهذه الاصلاحات ان تتسم بالتدرج وان تسير في اتجاه تراكمي الامر الذي سيكفل تعزيز ما نطمح اليه من امن واسقرار. ان الاطار الاقليمي للامن الذي يستوعب كافة دول المنطقة بعد الضمان الامثل للسلام والاستقرار في الخليج وينبغي ان يرتكز هذا الاطار على اربع قواعد تتمثل في كل من مجلس التعاون الخليجي واليمن والعراقوايران. اولا ينبغي تكثيف مستويات التعاون السياسي والامني والاقتصادي والاجتماعي بشكل رئيسي بين دول مجلس التعاون بشكل رئيسي من أجل بلورة كتلة استراتيجية قوية ومتجانسة وموحدة لا تزعزعها الخلافات الهامشية أو عوامل سوء فهم ثانوية. وفي الحقل العسكري لا يمكن لأية اتفاقية أن تعوض أو تحل محل ضرورة تطوير القوى الذاتية لدول مجلس التعاون. تحتاج دول مجلس التعاون الخليجي جميعا الى تحقيق مصالحها منفردة ومجتمعة من خلال تطوير استراتيجية اقتصادية وأمنية واضحة وموحدة مع الوفاء بمتطلبات القدرة العسكرية المشتركة الفعالة كأولوية قصوى مع العلم ان ذلك لايعني بالضرورة التأثير على ما تحظى به بعض او اي من هذه الدول من علاقات خاصة بالاخرين. ثانيا: يجب اضافة اليمن في هذا الاطار الامني للخليج اذ يستحيل فصل الخليج عن بقية شبه جزيرة العرب ان الحجم الجغرافي والسكاني لليمن لابد ان يساهم ايجابيا في المحافظة على أمن واستقرار المنطقة وقد تعاونت اليمن على تطوير علاقات رئيسسية مع دول مجلس التعاون الخليجي الامر الذي من شأنه تسهيل عملية حصول اليمن على العضوية الكاملة للمجلس. ثالثا: يمثل العراق جزءا مهما في المنطقة وعليه فان وجود عراق آمن ومستقر وموحد يعتبر امرا ضروريا لنجاح المنظومة الامنية في الخليج لذلك نحن نستنكف ان يتحول العراق الى حقل للتجارب كما أن محاولة تكرار ممارسة تجارب الاستعمار التي شهدتها اوائل القرن العشرين في العراق لن تفلح في هذا القرن مثلما لم تفلح من قبل ومما لاشك فيه ان استخدام القوة لن يكفل المستويات المطلوبة من الامن والاستقرار في العراق بل على النقيض من ذلك فان المطلوب اذا هو عملية حوار وطني تقضى الى مصالح وطنية وتستوعب كل شرائح وفئات الشعب العراقي لترسى دعائم المستقبل السياسي لبلادها. ان المعاهدة الكويتية العراقية بما انطوت عليه من ضمانات دولية يمكن ان تشكل نموذجا يحتذى به لاتفاقيات مماثلة بين دول مجلس التعاون الخليجي وايران ان هذا السلوب البناء هو وحده الكفيل يجعل العراق نموذجا يحتذى به على الصعيد الاقليمي. رابعا: يمثل وجود ايران الصديق والمزدهر عنصر استقرار امن لكافة المنطقة وحتى يتسنى ذلك يحتاج اصدقاؤنا الايرانيون الى تطوير مستويات رفيعة من التعاون السياسي والاقتصادي والثقافي والأمني مع جيرانهم على اساس من المصالح المشتركة وعدم التدخل في الشؤون المحلية من الطرفين. وفي هذا الاطار فان دواعي القلق الاقليمي من سياسات الهيمنة التي مارسها نظام الشاه يجب بأن تصبح جزءا من ماض بعيد ومنسي. وفي هذا الاطار فان استجابة ايران لدعوات حل قضية الجزر الاماراتية عبر الطرق السلمية يمكن أن تشكل خطوة ايجابية في هذا الصدد كما ان المزيد من المشاركة الفعالة في الحرب ضد الارهاب يشكل عاملا مساعدا آخر. وفي الوقت نفسه فان مما يدعو للارتياح تنامي علامات الاعتدال والواقعية في السياسة الخارجية لايران بما فيها الاتفاق الاخير مع المجموعة الاوروبية حول موضوع تخصيب اليورانيوم يعد أمرا مشجعا. ان من حق ايران أن تشعر بالاطمئنان على أمنها مما يقتضى بذل ما يمكن لطمأنتها بأن جيرانها لن يشكلوا ثمة تهديد على حدودها أو وحدة أراضيها أو أمنها الداخلي أو كيانها السياسي. وحيث أن جغرافيا المنطقة تفرض على دول مجلس التعاون ضرورة تأسيس امنها على جهودها الصناعية الكفيلة بتحقق اهدافها بالسرعة المامولة فهناك حاجة ماسة في ان تقوم هذه الدول بزيادة قدراتها الدفاعية وان تفعل ذلك بشكل تكاملي وعلى النحو الذي يسهل مهام القيادة والتوجيه المشتركة فضلا عن تنسيق النواحي اللوجستية للعمليات. ان الامر الذي يدعو الى القلق أن نرى بعض اعضاء دول مجلس التعاون تبرم اتفاقيات ثنائية منفصلة مع قوى دولية سواء على الصعيد الاقتصادي او الامني متجاوزة في ذلك العمل الجماعي للمطلوب. ومثل هذه الاتفاقيات الثنائية لا تنسجم مع روح ميثاق مجلس التعاون الخليجي اذ أنها تقلل من القدرة التفاوضية الجماعية كما تضعف ليس فقط تضامن دول المجلس انما ايضا موقف كل دولة عضو على المديين المتوسط والبعيد. وفي الحقل الاقتصادي فان الاتفاقيات التي أبرمت تشكل مخالفات واضحة لاتفاقيات وقرارات مجلس التعاون. والاهم من ذلك أن هذه الاتفاقيات ستعرقل التقدم المطلوب للوصول الى تكامل اقتصادي خليجي كالسوق المشتركة والاتحاد النقدي وهذا بدوره يؤدي بالنهاية الى تأثير سلبي على القطاعات الاقتصادية في جميع دول مجلس التعاون وسيكون لذلك نتائج خطيرة وعكسية على مصالح رجال الاعمال في دول مجلس التعاون ومن جانب اخر فأن التركيز على ايران وحدها على الرغم من كونها من الدول الموقعة على معاهدة للحد من انتشار الاسلحة النووية مع تجاهل اسرائيل التي لم توافق المعاهدة ومتطلباتها يعد أمرا غير مجد وينطوي على ازدواجية في المعايير. وعلى هذا الاساس فان مجلس التعاون الموحد واليمن المزدهر والعراق المستقر وايران الصديقة سوف تمضي بعيدا لتحقيق المرتكزات الاقليمية المطلوبة لأمن الخليج. وفي عالمنا المعاصر فان الخطوط الفاصلة بين السياسة الداخلية والعلاقات الدولية ينتابها عدم الوضوح ذلك أن المخاطر الداخلية والخارجية بالنسبة لامننا الفردي أو الجماعي أضحت متشابكة في الغالب ومما يؤكد ذلك خطر الارهاب الذي يجتاح العالم وبالتالي فان فهنالك حاجة دائمة الى المساعدة الدولية في هذا الصدد ونحن ندرك تماما ان منطقة الخليج تحظى بأهمية فائقة بالنسبة للعالم بأسره ويتعذر واقعيا عزل أمن الخليج عن العوامل المؤثرة على النظام الدولي. واضافة الى ذلك يعتمد تطوير العلاقات التعاونية بين دول المنطقة على احساس كل دولة منها بالثقة والامن داخل حدودها الذاتية الامر الذي يتطلب بدوره وجود ثمة ضمانات دولية. وليس ممكنا توافر هذه الضمانات الدولية على اساس منفرد حتى لو جاء ذلك من طرف القوة العظمى الوحيدة في العالم بل ان توافر الضمانات مرهون بالارادة الجماعية للاسرة الدولية عن طريق اجماع مجلس الامن على ضمان توفير السيادة والاستقلال والوحدة الاقليمية لكافة دول الخليج مع الوعد باتخاذ اجراء حاسم ضد كل التهديدات الخارجية. على غرار معاهدة الحدود الكويتية العراقية يمكن ايضا توفير الضمان الدولي لاتفاقيات مماثلة بين دول الخليج علاوة على ذلك فان البعد الدولي للاطار الامني المقترح للخليج يقتضى المشاركة الايجابية للقوى الاسيوية التي ظهرت على المسرح الدولي مؤخرا وعلى وجه الخصوص الصين والهند. أخيرا وعلى قدر مماثل من الاهمية يتعذر تجاهل تاثيرات النزاع العربي الاسرائيلي على امن الخليج اذ أن أي ادعاء مغاير لهذه الحقيقة تعد من قبيل الرجاء والتمني. ان استئناف عملية السلام ضرورة ملحة لانجاح أي اطار لامن الخليج وفي الوقت الذي ندعم فيه مفهوم ابقاء منطقة الخليج خالية من أسلحة الدمار الشامل فان هذا المفهوم لا يمكن تحقيقه بشكل واقعي دونما تطبيقه على مجمل منطقة الشرق الاوسط بما فيها اسرائيل.