هناك موضوع ثالث عن النقد الثقافي كنت سأطرحه بعد المقالين السابقين (النقد الثقافي الهش) و(النقد الثقافي الممكن)، ولكن فضلت وضع هذا المقال بينها، وهو موضوع متصل منفصل عنها، والبازعي والغذامي هما ناران على علم الأدب والفكر السعودي الحديث والمعاصر، البروف عبدالله بن محمد الغذامي، والبروف سعد بن عبدالرحمن البازعي، وعلى الرغم من أن المنطق يفترض أن نضع النسق والأزمة بشكل عكسي عما هو مكتوب في العنوان، ولكن طبيعة التناول في هذا المقال تفترض هذه العكسية. قدم البازعي مجمل أطروحاته التي كان أخرها مرتبط بمفهوم الأزمة وفق عدة محاور ترتبط بالغرب أو بالثقافة في أشكالها المتعددة، وهو في جل ما طرحه كان يتحرك بنسقية دقيقة وإيقاع ثابت منتظم بين الدراسات الأدبية والتحليل الثقافي والنقد الأدبي، ولم يكن يريد أن يُحسب ضمن ممارسي (النقد الثقافي) عن قناعة ظاهرة بأن هذا النقد ما زال يحتاج إلى مزيد من الوقت لتتضح ملامحه أكثر، ولتنضج تجاربه المفترضة على مستوى الوطن العربي بشكل خاص، وهو هنا لا يقف ضد هذا النقد ولا يتبناه، وهذا جعله أكثر حرصاً على أن يكون أزيد وضوحاً في خطوط طرحه العريضة وفي أدق التفاصيل التي يعرضها ويناقشها بمستويات عالية في الطرح والتحليل، ويظهر هذا أكثر تجلياً في أطروحاته الأخيرة التي اختار لها مظلة عامة تجسدت في مصطلح «الأزمة»، والأزمة مصطلح راسخ من مصطلحات علم الاجتماع، ولذلك يستطيع المتخصص في علم الاجتماع إدراك مدى تمكن البازعي، والسير وفق ثلاثية أشار لها أحد النقاد في ندوة ثقافية (حذر - متواضع - صاحب لغة)، والمقصود بالتواضع هنا؛ التواضع العلمي الذي يحتاجه أي مفكر ليجعل من العلم والمعرفة طريق لا يرتاح سالكه ولا يكتفي، ويراه طريق لا يمكن بلوغ أقصاه. هذا لا يعني أن كل ما يكتبه البازعي متفق عليه من قبل الجميع، فهناك وجهات نظر تتباين وتتفق وتختلف حول المواضيع الإنسانية بشكل عام. قدم الغذامي أفكاره التي لاقت قبولاً يقابله نفور في ثنائية فكرية تقبل كل ما يطرحه الغذامي مقابل رفض مطلق لكل ما يعرضه من قبل آخرين، وهذا جعله ينهمك أكثر في تعميق مفاهيمه وتجلية أفكاره، ولم يسع إلى التبرير أو المهادنة، فهو على قناعة أن بؤرة الدوامة تكمن في تفسير وفهم ما يطرحه، وليس في الأفكار ذاتها. واصل الغذامي الانتظام في كتاباته التي حققت انتشاراً واسعاً خصوصاً بعد أن توجها بتبنيه للنقد الثقافي مقابل زهده في (النقد الأدبي) الذي يرى أنه أدى دوره، وجاء الوقت ليرتقي النقد بأدواته ومواطن بحثه واشتغاله، واستطاع بذلك أن يكون الرقم الأول على مستوى الوطن العربي في تبنيه وتنظيره للنقد الثقافي، وهو بذلك خرج من نسق النقد الأدبي والدراسات الثقافية والتحليل الثقافي، ودخل في نسق جديد يعتبر منظره العربي الأول، ولكن على مستوى التطبيق لم يذهب بعيداً عن النقد الأدبي الذي توسعت أدواته لتشمل التحليل الاجتماعي والتحليل الثقافي، وبذلك فإن ما يطرحه الغذامي يدور في فلك الدراسات الثقافية والتحليل الثقافي، ولكن بمستويات عالية في الشرح والربط يسند هذا -من وجهة نظري- تأثره الواضح وقراءته المركزة في أطروحات علماء الاجتماع، بالإضافة إلى قدرته الجلية على بلورة الأفكار في بنية منفصلة لكل فكرة ترتبط بأفكار متسلسلة بما يسمى سياق متصل، وهو هنا يتعامل مع أزمة تنتظر انفراجه وتحديد مسار لهذا (النقد الثقافي) القادم بقوة فيما أتصور، ولكن لن يكون هذا إلا من خلال جسور تمد إلى علم الاجتماع بمسارات ذهاب وإياب معلنة وواضحة وواسعة بين إرث الغذامي التراكمي وبقية منظري النقد الثقافي وبين علم الاجتماع مع عدم تجاهل (النقد الأدبي) ودوره المهم والمحوري والمؤسس لكل ما جاء بعده من رؤى وتصورات نقدية وتحليلية. الغذامي والبازعي، قطبا الفكر الأدبي والثقافي السعودي، وهما شركاء في تغذية أدبية وفكرية، وجزء من الوجدان الثقافي لأجيال سعودية متعاقبة نشأت على طرحيهما صوتاً وصورة وكتابة إلى جوار مجموعة من المفكرين لا يقل أي منهم عن الآخر، ولكن وفق تمايز يظهر هنا وهناك، وهما حتى في حالة سجالهما الفكري والأدبي يشكلان حالة ثنائية تحيي المشهد وتغذي الفكر وتحرك الرغبة في القراءة والفهم والاستزادة من أجل ساحة ثقافية أدبية فكرية سعودية أخذت مكانتها في الصدارة عربياً وعالمياً، وفقدت أحد رموزها في الأيام القريبة الماضية، وهو الأديب والمفكر السعودي الدكتور سعيد بن مصلح السريحي رحمه الله وأسكنه فردوسه الأعلى من الجنة، وهو الذي قال: «كأن القبور فواصل بين جمل الحياة» في إشارة فلسفية عميقة إلى حياة أخرى دائمة.