لم يعد الحديث عن قبول ذوي الإعاقة في الجامعات نقاشًا إنشائيًا أو مبادرة ذات طابع اجتماعي، بل أصبح قضية تنظيمية تمس جوهر العدالة التعليمية. فمع صدور نظام حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في المملكة العربية السعودية، ترسخ الإطار النظامي الذي يكفل الحق في التعليم على جميع مستوياته، ويؤكد مبدأ تكافؤ الفرص وعدم التمييز، ويُلزم الجهات ذات العلاقة بتهيئة البيئة التعليمية المناسبة، غير أن التحدي الحقيقي لم يعد في وجود النص، بل في كيفية تحويله إلى سياسات قبول واضحة ومُلزمة داخل الجامعات. الواقع يشير إلى أن بعض الجامعات ما زالت تتعامل مع قبول الطلبة ذوي الإعاقة بحذر إداري أكثر منه حسمًا تنظيميًا، فالإعاقة نادرًا ما تكون سببًا معلنًا للرفض، لكنها قد تتحول إلى عامل مؤثر عبر اشتراطات إضافية أو تضييق غير مباشر في اختيار التخصصات، وهنا تتشكل فجوة دقيقة بين روح النظام وتطبيقه؛ فالنظام أقر الحق، لكن السياسات المؤسسية لم تُصغ دائمًا بما يكفل ممارسته دون اجتهادات فردية. الجامعات، بوصفها مؤسسات أداء تُقاس بمؤشرات الجودة والاعتماد، تخشى أحيانًا من أثر القبول غير المنظم على معدلات التخرج أو على متطلبات البرامج الأكاديمية، كما تتوجس من تكلفة التهيئة أو من التحديات المرتبطة ببعض التخصصات التطبيقية. غير أن القراءة المتأنية لنظام حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة تكشف أن الالتزام لا يعني خفض المعايير الأكاديمية، بل يعني إزالة العوائق التي تحول دون الوصول إليها. فالفرق كبير بين تعديل المعيار، وهو أمر غير جائز، وبين تعديل وسيلة القياس أو طريقة الوصول، وهو ما يدخل في نطاق التكييفات المعقولة التي يقرها النظام. الإشكالية الأعمق تكمن في غياب سياسة قبول وطنية موحدة تفصل بدقة بين ما هو جوهري في متطلبات التخصص وما هو قابل للتكييف، فعندما لا توجد لائحة تفصيلية تحدد آليات القبول، وإجراءات طلب الترتيبات التيسيرية، وحدود مسؤولية كل طرف، يتحول القرار إلى تقدير شخصي، ويصبح الطالب رهينًا لاجتهاد إداري أو أكاديمي قد يختلف من جامعة لأخرى. وهنا يفقد الحق ثباته، رغم وجود مرجعيته النظامية. الحلول لا تتطلب إعادة صياغة التشريع بقدر ما تتطلب تفعيل مضامينه عبر سياسات تنفيذية واضحة، تنطلق من مبادئ النظام ذاته: تكافؤ الفرص، وعدم التمييز، والتمكين. فقبول الطالب ينبغي أن يستند إلى قدرته العلمية واستيفائه للشروط الأكاديمية الموضوعية، مع التزام المؤسسة بتوفير الوسائل التي تضمن وصوله العادل إلى العملية التعليمية. وعندما تُربط سياسات القبول بمعايير الاعتماد الأكاديمي، وتُدرج تطبيقات الوصول ضمن مؤشرات الجودة، وتُحدد آليات تظلم شفافة، تتحول المسألة من عبء إداري إلى ممارسة مؤسسية مستقرة. إن نظام حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وضع الأساس القانوني الصلب، لكن اكتمال البناء يتطلب سياسات قبول تُجسد هذا الأساس في الواقع الجامعي، فالجامعة الشاملة ليست التي تُظهر تعاطفًا، بل التي تطبق نظامًا واضحًا يحمي حق الطالب ويحفظ في الوقت ذاته معاييرها الأكاديمية، وعندما تُبنى السياسات على هذا التوازن، يصبح السؤال ليس ما إذا كان الطالب يستطيع الالتحاق، بل كيف نضمن له فرصة عادلة لإثبات كفاءته وفق ذات المعايير التي يخضع لها الجميع. د. عبدالله بن هادي المدهش