يأتي شهر رمضان المبارك في وجدان المسلمين موسماً استثنائياً لتزكية الروح وتهذيب السلوك، وتتجلى فيه قيم العبودية والامتثال لتوجيهات الخالق سبحانه؛ حيث يمتنع الصائم عن شهواته المباحة طلباً لرضا ربه، مفعلاً بذلك منظومة الرقابة الذاتية، ومعززاً قدرته على الانضباط السلوكي، وتسامي النفس فوق الدوافع الغريزية؛ فالصوم ليس مجرد انقطاع مؤقت عن المباحات، بل هو مختبر عملي لضبط النفس وكبح جماح الأهواء، ومشروع متكامل لصناعة الإنسان المتوازن نفسياً وبدنياً؛ ومن حكم هذا الشهر الكريم أن يستشعر المرء قيم الصبر والتحمل، ما يعمق صلته بالخالق وبالآخرين، ليرتقي في مدارج التقوى والأخلاق، ويتأهل لحمل قيم الرحمة والعدل في ممارساته اليومية. وعلى النقيض من مقاصد الصيام، يشهد مجتمعنا موجة متصاعدة من الاستهلاك المفرط؛ حيث يتحول التهيؤ الروحي إلى سباق نحو التسوق يغرق عربات المراكز التجارية بما يفوق الحاجة، في مشهد يجمع بين مفارقتين: الأولى مادية، تتجسد في هدر الأغذية التي ينتهي بها المطاف في مكاب النفايات، والثانية معنوية، تظهر في المبالغة في الزينة والمظاهر الاحتفالية الدخيلة؛ وبذلك، تضافرت ضخامة الاستهلاك مع بهرجة المظاهر لتعيد تعريف الشهر في الخطاب التسويقي كمناسبة استهلاكية بامتياز، تستثمر العواطف الدينية لترويج أنماط غذائية ترهق البدن وتنافي الغايات التعبدية والصحية للشهر الكريم. وإزاء هذا الاختلال بين المقصد الشرعي والممارسة الاجتماعية، تبرز ضرورة التحول نحو مراجعة شاملة لنمط التعامل مع الشهر الكريم؛ تبدأ بإعادة صياغة الوعي الاستهلاكي للفرد والأسرة، وتمتد لتشمل مراجعة السياسات الإعلامية والتسويقية؛ إن المسؤولية تقتضي إعادة الاعتبار لجوهر الصيام كمنصة لإعادة هندسة العادات السلوكية؛ عبر تبني نموذج استهلاكي رشيد يستند إلى الاحتياج الفعلي، ويتحصن ضد الضغوط الإعلانية والمؤثرات التسويقية؛ إن مواءمة القناعات مع الممارسات تبدأ من ترشيد الموائد الرمضانية لتكون انعكاساً للاعتدال الصحي والبدني؛ فرسالة رمضان تتجاوز المظاهر العابرة والولائم المترفة، لتستقر كقيمة عليا تهدف لتزكية النفس، وبناء إنسان أكثر وعياً، ليكون الصيام بذلك الركيزة المحورية لضبط النمط الاستهلاكي وترسيخ ثقافة الترشيد المجتمعي المستدامة.