في خضم التحول المتسارع نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب، لم يعد بسط نفوذ الدول مجرد مغامرة أو ثمرة طموحات عابرة أو استغلال لفرصة تاريخية راهنة، بل تحول إلى فنّ دقيق تمارسه الدول لبناء حضور راسخ وتثبيت تأثير (نفوذ) طويل الأمد. ومع ذلك، يمكننا هنا تمييز ثلاثة أنماط رئيسة لمفهوم النفوذ وتتمثّل في النفوذ السيادي (الاستراتيجي)، ونفوذ اللحظة التاريخية (الانتهازي)، والنفوذ الوظيفي (التكتيكي). ويقوم النمط الأول، أي النفوذ السيادي (الاستراتيجي)، الذي تمارسه الدول التي تتمتع بوزن استراتيجي حقيقي، على توظيف عناصر القوة الوطنية: القوة العسكرية، وقوة الاقتصاد، والدبلوماسية النشطة، إلى جانب الجاذبية الثقافية والرمزية القومية أو الروحية، ويرتكز هذا النمط في جوهره على مفهوم «الشرعية الاستراتيجية»؛ وهي القدرة على صياغة نموذج جاذب يجعل المصالح الدولية تتسق مع توجهات الدولة تلقائيًا دون حاجة دائمة للإكراه، وتبقى الولاياتالمتحدة النموذج الأكثر وضوحًا عالميًا؛ فهي لا تعتمد على قوتها الصلبة فحسب، بل على شبكة مؤسسات دولية وهيمنة ثقافية وشرعية مؤسسية تجعل مصالح الآخرين تتوافق مع قراراتها حتى في فترات ضعفها النسبي. وفي الإقليم، تبرز المملكة كنموذج رائد، إذ تتمتع في إقليمها بمقومات الدولة الاستراتيجية ضمن مفهوم القوّة الشاملة. إذ باشرت تنويع الاقتصاد، ولديها استثمارات استراتيجية في البنية التحتية والتكنولوجيا، مع تعزيز دور الوساطة الإقليمية والاستثمار في القوة الناعمة والهوية الوطنية والرمزية الدينية. وهذا النمط لا يرتهن في تأثيره السياسي على لحظة تاريخية عابرة، بل يبني أسسًا تجعل منه نفوذًا طبيعيًا نابعًا من صميم بنية الدولة القادرة، محصنًا بشرعية داخلية ودولية تضمن له الاستدامة. ثم يأتي النمط الثاني، فيما يمكن تسميته بنفوذ اللحظة التاريخية (الانتهازي)، الذي ينشأ عندما تستغلّ دول متوسطة القدرات ثغرات سياسية أو أمنية تتركها مراحل تراجع القوى الكبرى، أو حسابات الصراعات الإقليمية. وتظهر هنا تركيا وإيران نموذجين بارزين؛ فالأولى استفادت من موقعها الجيوستراتيجي لتمديد نفوذها من سورية إلى ليبيا والقرن الإفريقي، مستخدمة أدوات عسكرية وإعلامية وثقافية. والثانية باستغلال الأيدلوجيا زرعت شبكة وكلاء إقليميين في ظلّ دول فاشلة وغياب تدخل دولي حاسم. لكن هذا النمط يظل بطبيعته «انتهازيًا»؛ فهو يعتمد على فرص الفراغ، وغالبًا ما يواجه مخاطر فخ «تضخم القوة المفرط» (Imperial Overstretch)؛ حيث تتجاوز الالتزامات الخارجية قدرة الموارد الوطنية على تحمل كلفة الاستمرار، مما يحول النفوذ من ذراع قوة إلى عبء استنزافي يهدد استقرار الدولة، وغالبًا ما يتراجع هذا النمط عندما تعود قوى كبرى أو إقليمية لملء الفراغ أو عندما تتبدّل موازين القوى وتنكشف هشاشة القاعدة الاقتصادية التي تدعم هذا التمدد. أمّا النمط الثالث، أي النفوذ الوظيفي (التكتيكي)، فيتجسّد في طموحات دول صغيرة الحجم الجغرافي والبشري، لكنها غنيّة اقتصاديًا، والتي تستثمر ثروتها في أداء أدوار محدودة ضمن تفاهمات خدمية مع قوى أخرى مثل دعم الجماعات الإثنية والانفصالية، والقيام بوساطات محسوبة، أو استضافة فعاليات عالمية، أو تقديم خدمات لوجستية ومالية في سياق المناوشات الإقليمية والدولية. وقد تنجح بعض هذه الدول في رسم صورة عالمية متألّقة لفترة معينة، لكن نفوذها يبقى مرتهنًا بغضّ الطرف الدولي والإقليمي، أو لحاجة اللاعبين الكبار إليها في لحظة معيّنة كأداة وظيفية. وعندما يتغيّر السياق أو تنتهي الحاجة إلى هذا «الدور التكتيكي»، تظهر آثار فخ «الانكشاف الاستراتيجي» (Strategic Overexposure) ويتراجع هذا التأثير بسرعة، لأن أساس بناء النفوذ ليس في بنية دولة متكاملة تحميه أو شرعية سيادية ذاتية، بل في وهم الطموحات مع القدرة المالية وترخيص سياسي من قوى مستفيدة. وبناء على ذلك يمكن القول: إن النفوذ الحقيقي للدول لا يُقاس بنشوة الظهور اللحظي، بل بالقدرة على البقاء والتأثير على المدى الطويل من خلال موازنة القوة بالشرعية وتجنب فخ تضخم القوة. ففي النمط الاستراتيجي تتحوّل الفرص عند الدول ذات المقومات إلى استراتيجيات دائمة، بينما يظل النمطان الآخران -اللحظة التاريخية والوظيفي- أسيريْن لواقع انتهازي أو دور مؤقت تفرضه السياقات الظرفية، وهذا ما يجعلهما يذوبان بتغيّر الوقائع. * قال ومضى: البائس حقًا من تجارته ضميره.. تارة يبيعه وتارة يُعيره.