يعرف «غسل الأموال» كجريمة اقتصادية بأنه عملية إضفاء المشروعية على أموال مكتسبة بطرق غير نظامية، بحيث تبدو وكأنها ناتجة عن مصادر نظيفة؛ وبالقياس على هذا المصطلح، يمكننا الحديث عن ظاهرة «غسل السيرة الذاتية»، وهي ممارسة منهجية وممنهجة تهدف إلى إضفاء المشروعية المهنية على مسارات وظيفية غير مستحقة لعدم تناسبها مع التأهيل الجامعي الأساسي كتخصص مختلف كلياً عن طبيعة تطور المسار الوظيفي، من خلال تصنيع مؤهلات شكلية وخبرات ورقية لتبرير احتلال مناصب لا تتناسب مع الكفاءة الحقيقية؛ فكما أن تبييض الأموال يخفي المصدر غير القانوني للأموال، فإن تبييض السيرة الذاتية يخفي غياب الجدارة والاستحقاق خلف واجهة من شهادات الدورات والبرامج القصيرة، خلافاً للتأهيل الأكاديمي الأساسي الذي يفترض أن يكون أساس المسار الوظيفي. تتخذ عملية غسل السيرة الذاتية أشكالاً متعددة، أبرزها إلحاق الشخص نفسه ببرامج قصيرة أو وضع الموظف المحظي عليه بالرضا في لجان في تخصصات أو مهام بعيدة كل البعد عن مؤهله الجامعي وتخصصه الأصلي لتعديل أو شرعنة مساره الوظيفي؛ فتجد مثلاً خريج لغة إنجليزية، يلتحق بما يسمى ماجستير تنفيذي قصير لا يتجاوز بضعة أشهر في الإدارة المالية والإدارية ليصبح «مؤهلاً» على الورق لشغل منصب مدير الإدارة المالية والإدارية؛ أو وضع الموظف المحظي عليه بالرضا في لجان ومشاريع متخصصة رغم افتقاره للمؤهلات المطلوبة، فقط لتزيين سيرته ب»خبرة ميدانية» مصطنعة، للتأسيس لمناسبته لمهام وظيفية حصل عليها أصلاً بالمحسوبية، كإلحاق موظف غير متخصص أكاديمياً في الشؤون والعلاقات الدولية بلجان ومنظمات ذات طبيعة عمل دولية؛ مما يجمع هذه الممارسات غير المهنية هو أنها تبنى على شبكة من العلاقات الشخصية والمصالح الضيقة، حيث يستغل أصحاب النفوذ مواقعهم لتمهيد الطريق أمام من هو محسوب عليهم، محولين المؤسسات إلى مزارع خاصة لإنتاج الكفاءات الزائفة؛ والنتيجة هي مسارات مهنية تبدو منطقية ظاهرياً، لكنها في جوهرها بنيت على أساس من التزوير المنهجي للجدارة. ظاهرة تبييض السيرة الذاتية تلحق أضراراً جسيمة بالمؤسسات والمجتمع على حد سواء؛ فعلى المستوى المؤسسي، تؤدي إلى وضع الشخص الخطأ في المكان الخطأ، مما يضعف الأداء ويهدر الموارد ويعرقل التطوير؛ وعلى المستوى الاجتماعي، تقتل هذه الممارسة روح المنافسة العادلة وتحبط الكفاءات الحقيقية من الممارسة الوظيفية الطبيعية لتخصصها والارتقاء وظيفيا بصورة منهجية، لأنها تجد نفسها مهمشة أمام موجة من المرضي عنهم، والذين يحملون شهادات بلا محتوى؛ كما تساهم في ترسيخ ثقافة الوساطة والمحسوبية على حساب الجدارة والاستحقاق، وتخلق بيئة عمل سامة يسودها الإحباط وانعدام الثقة؛ ولهذا نقول إن غسل السيرة الذاتية يهدد مستقبل المؤسسات ونسيج المجتمع المهني؛ والحل يبدأ بتعزيز الشفافية والعدالة والحوكمة، وتفعيل معايير صارمة في التوظيف والترقية بتدقيق التناسق بين التأهيل العلمي واتساق المسار الوظيفي، وفضح هذه الممارسات بدلاً من تجاهلها؛ فالمناصب أمانة، وإسنادها لغير أهلها خيانة للوطن والمؤسسة والمجتمع معاً؛ فإذا كان غسل الأموال جريمة اقتصادية، فإن غسل السيرة الذاتية جريمة مؤسسية تقوض مبدأ تكافؤ الفرص وتحرم الكفاءات المتخصصة فعلياً من فرصها المستحقة، وتفرغ المناصب من مضمونها.