القيم في الإعلام ليست إضافة تجميلية، بل بنية عميقة تحكم السياسات وتوجه القرارات. هكذا أعلنها وزير الإعلام سلمان بن يوسف الدوسري، لتصبح هذه الرؤية مدخلًا لفهم التحول الذي يشهده الإعلام السعودي اليوم، حيث لم يعد النجاح الإعلامي فعلًا آنيًا أو ردّ فعل، بل مشروعًا استراتيجيًا يُدار بعقل الدولة ويستثمر في الوعي بوصفه أصلًا وطنيًا لا يقل أهمية عن الاقتصاد والأمن. هذا التحول يضع الإعلام في موقع الفاعل لا التابع، ويمنحه دورًا محوريًا في تشكيل الرأي العام وبناء الثقة وتعزيز المكانة الوطنية في الداخل والخارج. حيث شهدت النسخة الخامسة من المنتدى السعودي للإعلام في عام 2026 إنجازًا بارزًا يعكس طموح المملكة في الارتقاء بصناعة الإعلام محليًا وعالميًا. انعقد المنتدى في مدينة الرياض تحت شعار «الإعلام في عالم يتشكل»، بحضور نخبة من الخبراء والمختصين في مجالات الإعلام والإبداع من داخل المملكة وخارجها، وتناول خلال أيامه أكثر من 150 جلسة حوارية بمشاركة أكثر من 300 متحدث عالمي في موضوعات محورية تتعلق بتحولات الإعلام الرقمي، الذكاء الاصطناعي، بناء الثقة، وتطوير المحتوى الإعلامي لمواكبة متطلبات القرن الحادي والعشرين. كما تضمن المنتدى فعاليات موازية مثل معرض مستقبل الإعلام (FOMEX) الذي ضم أكثر من 250 شركة عارضة لأحدث تقنيات صناعة المحتوى. وفي إنجاز غير مسبوق على الصعيدين الإقليمي والدولي، سجل المنتدى السعودي للإعلام حضورًا قياسيًا تجاوز 65,600 زائر على مدار أيامه، مما أهله للحصول على شهادة موسوعة غينيس للأرقام القياسية كأكبر حدث إعلامي من حيث عدد الحضور عالميًا. هذا النجاح يعكس مكانة الفعالية المتنامية وقدرتها على جذب جماهير واسعة من الإعلاميين المختصين وصناع المحتوى والمهتمين بالشأن الإعلامي من مختلف أنحاء العالم، مما يؤكد أن السعودية أصبحت منصة مؤثرة في صناعة الإعلام عالميًا. وهذا هو النجاح الاعلامي الذي يليق بمكانة المملكة، وهو ليس نجاحًا عدديًا فحسب، بل نجاحًا رمزيًا يعكس مكانة الإعلام السعودي بوصفه قوة إقليمية قادرة على التأثير في العمق. هذا الحضور الكثيف كشف عن تعطش مهني وفكري لإعلام منضبط بالقيم، قادر على الجمع بين المهنية العالية والرؤية الأخلاقية، وبين المحلية الواثقة والانفتاح العالمي. بناءً على ما سبق، يمكن القول إن النسخة الخامسة من المنتدى السعودي للإعلام لم تكن مجرد حدث عابر، بل منصة استراتيجية تسهم في بلورة رؤية مستقبلية للإعلام في عالم متغير، وتؤكد أن النجاح الإعلامي هو الحلّ الذي يرتقي بصوت المجتمعات ويمنحها القدرة على التأثير والإلهام في عالم يتشكل بسرعة متسارعة. اليوم، لا يكتفي الإعلام السعودي بسرد الإنجاز، بل يصنعه. يجعل من النجاح قيمة، ومن التأثير قوة، ومن القيم أساسًا صلبًا تبنى عليه السياسات الإعلامية. وفي عالم تتغير فيه موازين القوة الناعمة، يثبت الإعلام السعودي أن الاستثمار في القيم ليس خيارًا أخلاقيًا فقط، بل رهانًا استراتيجيًا ناجحًا، وأن النجاح الإعلامي، حين يُدار بوعي ومسؤولية، يصبح الحل.