يتجاوز الجبل في نظر العرب وفي وعيهم وذاكرتهم كونه جزءًا من طبيعة الأرض، نحو رمزياتٍ ما زال يغفو ويفيق عليها الوعي في شبه الجزيرة العربية. فمن أمعن النظر في علاقتهم بالطبيعة من جانب، وعلاقتهم بالجبل دون سواه من جانبٍ آخر، يجد تباينًا يتجاوز الحنين للماضي بأيامه، وأماكنه، ومن جالوا فيها، فالعلاقة مع الجبل تتجاوز ذلك الشعور المتعاظم بالحنين، إلى شعور محمولٍ على قمة الرمز وسفوحه، تلك المعاني المستفيضة في ذاكرة العرب والمنبثة في أقوالهم، وأشعارهم منذ الجاهلية، إذ الجبلُ رمز الثبات، والقوة، والسمو، والمنعة، فهو ملاذٌ لمن أحاطت به جحافل الأعداء، أو من أفقدته خيبات الأمل الثقة في أقرب الناس، فوجد في أكناف الجبال صدىً لأوجاعه ومستودعًا لأسراره! فكم معانق لشموخه ولسان حاله: أضاعوني وأي فتىً أضاعوا ليوم كريهةٍ وسداد ثغرِ تمضي الدهور ويكتسب الجبل رمزيةً أخرى، حين يبرز شاهدًا على ما قَصُرت دونه ذاكرة التاريخ؛ فتجد العلماء يفتشون بتأنٍ عن آثار العابرين على القمم والسفوح، من أقلقهم صدى آهاتهم فنقشوا شيئًا منها على سفح جبلٍ ما ومضوا، لتبقى الصور تتقادم بها الأيام فتتعاظم. وليس الأدباء بأقل جهد في رحلة الاكتشاف تلك، فأبصارهم وخبراتهم شقت عباب الشعر والشعور، إذ جعلوا من قصائد الأولين مسابير نحو الماضي، فإذا الجبل يلوح مكانةً لا مكانًا، وصدرًا حانيًا لا صلدًا قاسياً، ومثالًا للصمود وليس للجمود! ونحن بدورنا نقرأ ونُقِرُ ببراعة أولئك اللائذين بقمم الجبال، من يمموا قرائحهم نحوها يومًا، فجعلوا من المعالم علاماتٍ ومعاني رُسمت لتبقى، جسرًا يربط الأماكن والأزمان. نقرأ ونُقِرُ أن الخنساء رثت أخاها فجعلته والجبل سواءً بسواء، حين أودعته ذاكرة التاريخ، علمًا يُهتدى به، ومثلًا تتناقله الأجيال: "وَإِنَّ صَخراً لَتَأتَمَّ الهداةُ به كَأَنَّهُ عَلَمٌ في رأسه نارُ" وذلك الفارسي العبسي عنترة بن شداد، الذي فاق في شجاعته أفتك الرجال وأكثرهم جلدًا، يقول مزهوًا بنفسه: خلقتُ من الجبال أشد قلبًا وقد تفنى الجبالُ ولست أفنى أما قيس ابن الملوح فجمع بين جنون الحب، وجنون الخيال، إذ يُناجي جبل "التوباد" ويشاكيه: وَأَجهَشتُ لِلتوبادِ حينَ رَأَيتُهُ وَهَلَّلَ لِلرَحمَنِ حينَ رَآني وَأَذرَيتُ دَمعَ العَينِ لَمّا رَأَيتُهُ وَنادى بِأَعلى صَوتِهِ وَدَعاني فَقُلتُ لَهُ أَينَ الَّذينَ عَهِدتُهُم حَوالَيكَ في خِصبٍ وَطيبِ زَمانِ فَقالَ مَضَوا وَاِستودَعوني بِلادَهُم وَمَن ذا الَّذي يَبقى مَعَ الحَدَثانِ ويفاخر حسان بن ثابت بدياره التي علت ما سواها: لنا جبلٌ يعلو الجبال مشرفٌ فنحن بأعلى فرعه المتطاولِ وفي سياقات الذاكرة الشعبية لم يغب الجبل برمزيته الموروثة، فهذا الفارس والشاعر "يحيى" يوصي خاله "أبو زيد" الهلالي، حين شعر بدنو أجله: خل القبر في راس عيطا طويلة وسيفي ورمحي حطهن لي نصايب غدي بنات الهلالية يجنني يجذن على قبري بروس الذوايب