في الأزمنة التي يشتد فيها القلق الوجودي، ويضيق فيها أفق الإجابات الجاهزة، يعود الإنسان إلى لغتين أساسيتين لفهم العالم: لغة الفلسفة ولغة الشعر. الأولى تحاول أن تفكك الواقع بالعقل والمنطق، والثانية تسعى إلى القبض على التجربة الإنسانية عبر الصورة والإيقاع والانفعال. غير أن هذا الفصل التقليدي بين المجالين لم يعد مقنعاً لكثير من النقاد والمختصين، الذين باتوا يرون أن الشعر قد يكون شكلاً من أشكال التفكير، وأن الفلسفة لا تخلو - في لحظاتها الكبرى - من حس شعري عميق. في هذا التقرير نحاول مقاربة سؤال قديم متجدد: هل يمكن أن تكون الفلسفة شعراً؟ وهل الشعر في جوهره سوى تفكير آخر في الوجود بلغة مختلفة؟ الجذر المشترك يؤكد أساتذة الفلسفة أن نقطة البداية في التفكير الفلسفي هي الدهشة؛ الدهشة من الوجود، من الموت، من الزمن، من الخير والشر. وهذه الدهشة نفسها هي الشرارة الأولى للشعر. يرى أستاذ الفلسفة الجمالية الدكتور عبد الرحمن بدوي - في قراءاته التحليلية للفكر اليوناني - أن الإنسان لم يبدأ بالتفلسف عبر البرهان، بل عبر التساؤل الشعري عن الكون والحياة، قبل أن تتبلور المناهج العقلية الصارمة. الشاعر لا يطرح السؤال ليحسمه، بل ليُبقيه مفتوحاً. والفيلسوف، مهما بدا عقلانياً، لا يبدأ إلا من سؤال غير محسوم. هنا تحديداً، تبدأ المسافة بين الشعر والفلسفة بالتلاشي. الحضارات القديمة عند العودة إلى تاريخ الفكر الإنساني، نكتشف أن الفصل بين الشعر والفلسفة كان طارئاً أكثر منه أصيلاً. ففي الحضارات القديمة، كان الحكيم شاعراً، وكان الشاعر فيلسوفاً بالضرورة. النصوص الأولى التي تناولت الكون والمصير والآلهة كتبت بلغة شعرية، قبل أن تتشكل الفلسفة بوصفها علماً مستقلاً. يشير الباحث في تاريخ الفكر الدكتور حسن حنفي إلى أن الفلسفة، في بداياتها، لم تكن خطاباً أكاديمياً، بل تجربة وجودية تُقال بلغة قريبة من الشعر، وأن العقل الفلسفي لم ينفصل عن الخيال إلا في مراحل لاحقة فرضتها الحاجة إلى التصنيف والمنهج. العداء الظاهري غالباً ما يُستشهد بموقف أفلاطون بوصفه المثال الأشهر على الصراع بين الفلسفة والشعر، إذ دعا في "الجمهورية" إلى إبعاد الشعراء عن المدينة الفاضلة. غير أن قراءة نقدية معاصرة لهذا الموقف تكشف أن أفلاطون لم يكن يعادي الشعر لذاته، بل كان يخشى سلطة الصورة والخيال حين تنفصل عن الحقيقة الأخلاقية. المفارقة التي يشير إليها نقاد كثر، أن أفلاطون نفسه كتب فلسفته بأسلوب حواري مليء بالصور والاستعارات، وهو ما يجعل نصوصه أقرب إلى البناء الدرامي الشعري منها إلى الجفاف المنطقي. وهذا ما يدفع بعض المختصين إلى القول: إن أفلاطون كان "شاعراً مقنّعاً بثوب الفيلسوف". الشعر بوصفه تفكيراً لا زخرفة يرفض نقاد الشعر المعاصرون اختزال الشعر في كونه زخرفة لغوية أو تعبيراً عاطفياً صرفاً. الشاعر، بحسب الناقد الدكتور كمال أبو ديب، لا يكتب ليُطرب، بل ليُفكّر بصوت عالٍ، مستخدماً أدوات تختلف عن أدوات الفيلسوف، لكنها لا تقل عمقاً. الشعر، في هذا السياق، لا يقدّم أطروحات، بل يبني رؤى. لا يبرهن، بل يكشف. وهذا الكشف هو شكل من أشكال المعرفة، وإن لم يكن قابلاً للقياس المنطقي. روح الشعر عند استعراض أعمال فلاسفة كبار في العصر الحديث، يلاحظ النقاد حضور اللغة الشعرية بقوة. فنيتشه، مثلاً، لم يكتب فلسفته في صورة نسق منطقي تقليدي، بل لجأ إلى الشذرات، والاستعارات، واللغة النبوئية. وقد رأى عدد من المختصين أن نصوصه لا تُفهم إلا بوصفها فلسفة مكتوبة بروح شاعر. كذلك، تعامل مارتن هايدغر مع الشعر بوصفه مدخلاً لفهم الوجود، معتبراً أن اللغة الشعرية قادرة على كشف ما تعجز اللغة الفلسفية المجردة عن قوله. وهذا التوجه فتح الباب أمام تيار فلسفي يرى في الشعر شريكاً لا تابعاً. الحكمة شعراً لم تكن الثقافة العربية بعيدة عن هذا التداخل. فالشعر العربي القديم زاخر بالحكمة والتأمل في المصير والزمن والسلطة والموت. ويذهب نقاد إلى أن كثيراً من الشعراء العرب كانوا فلاسفة بالفطرة، حتى وإن لم يُصنَّفوا كذلك. يشير الباحث الدكتور عبد الله الغذامي إلى أن الشعر العربي لم يكن يوماً منفصلاً عن التفكير، بل كان وسيلة المجتمع العربي الأولى لصياغة رؤيته للعالم، وأن القصيدة كانت تقوم بوظيفة معرفية وأخلاقية، لا جمالية فقط. هل كل شعر فلسفة؟ رغم هذا التقاطع الواسع، يحذر مختصون من الوقوع في تعميم مخل. فليس كل شعر فلسفة، ولا كل نص فلسفي شعراً. الفارق الأساسي، بحسب أساتذة النقد، يكمن في النية المعرفية. الشعر الفلسفي هو ذلك الذي ينشغل بأسئلة الوجود، لا الذي يكتفي بالانفعال اللحظي أو الوصف السطحي. الفلسفة، حتى حين تقترب من الشعر، تبقى معنية بالمعنى، بينما الشعر الذي يلامس الفلسفة لا يتخلى عن كثافته الجمالية. العلاقة إذاً ليست تطابقاً، بل تجاوراً خلاقاً. ساحة اللقاء يتفق معظم المختصين على أن اللغة هي المساحة التي يلتقي فيها الشعر والفلسفة. فالفلسفة لا تفكر خارج اللغة، والشعر لا يوجد دونها. غير أن اللغة الفلسفية تميل إلى التحديد، بينما تسعى اللغة الشعرية إلى الإيحاء. هذا الاختلاف لا يعني التناقض، بل التكامل. فحين تضيق اللغة الفلسفية عن التعبير، يتدخل الشعر، وحين ينفلت الشعر من المعنى، تعيده الفلسفة إلى السؤال. الفلسفة شعراً في عالم اليوم، حيث تتسارع التحولات وتتراجع اليقينيات الكبرى، يرى مفكرون أن الحاجة إلى لغة هجينة - تجمع بين التفكير والجمال - أصبحت ملحّة. الفلسفة الصرفة باتت عسيرة على الجمهور العام، بينما الشعر وحده قد لا يكفي لتفسير التعقيد المعاصر. من هنا، يبرز الاتجاه الذي يدعو إلى إعادة الاعتبار للنصوص التي تفكر شعرياً، وتكتب الفلسفة بلغة قادرة على لمس الإنسان، لا فقط مخاطبة العقل. القصيدة تفكّر في الختام، لا يمكن حسم السؤال لصالح طرف واحد. الفلسفة ليست شعراً خالصاً، والشعر ليس فلسفة بالمعنى الأكاديمي، لكن بينهما منطقة خصبة، هي منطقة المعنى الإنساني العميق. حين تفكر القصيدة، وتلين الفكرة حتى تغنّي، يولد نص قادر على ملامسة الإنسان في جوهره. وربما كان هذا هو الهدف الأسمى لكل تفكير وكل كتابة: أن نفهم العالم، لا بعقولنا فقط، بل بقلوبنا أيضاً.