الوعي باستعادة أشياء التاريخ قراءةٌ لها، وليس ثمة ما يجعل هذه الاستعادة اعتباطية، أو محض حنين أو نكوص للاستئناس بالماضي وتوهّجاته والتشبّه به؛ لتعزيز حاضر الذات الشعريّة مثلاً، أو للقول بالتعالقات الثقافيّة الحاصلة بينها وبين ذلك الماضي، إنّما يأتي ذلك -في التجارب الناضجة خاصة- في سياق تنويع الأدوات الشعريّة، وتعليم (جعلها علامات سيميائيّة دالة) التجربة، والنأي بها عن الاستعادات المباشرة الباهتة! ونحن مع تجربة الشاعر محمد الأسدي الثرّيّة نكون دائماً أمام استعادات هادفة، ناضجة، ذات حمولة علاميّة تفيض بدلالات عميقة، ولا تقتصر الاستعادات عنده على بنية المتن الداخلي للمدوّنة الشعرية (المجموعة)، إنما يبدأ تجربة الاستعادات منذ منطقة العتبات؛ ليُدخل القارئ في دائرة وعيه، ويُبرم معه عقدَ قراءةٍ ناضجاً؛ لتشغيل قابلياته التأويلية بحثاً عن مفاتيح قراءة التجربة قراءة مُنْتِجَة. ونريد ب(العتبة الاستعادية) -هنا- الخطاب الموازي التعتيبي الذي يستدعي علامةً / رمزاً عائماً في فضاءات التراث، شريطة أن يكون له حضور جماهيري في الذاكرة الجمعيّة، ويحتفظ بحزمة مدلولات جوهريّة في مخزون تلك الذاكرة. وقد نجح الشاعر محمد الأسدي في تجربة سابقة له في تشغيل العتبة الاستعادية في عنوان مجموعته الشعرية (معجز أحمد : قراءة معاصرة) الصادرة عن دار تموز – دمشق، 2011م، وفيه حركة استعاديّة علاميّة مهمّة، تُحيلنا على مدوّنة كاشفة (تنتمي لسياق الشروح) لشعرية أبي الطيّب، وغريبها، وهي شرح أبي العلاء المعرّي لديوان أبي الطيّب الذي أسماه ب(مُعجِز أحمد). وتشي العتبة الفرعية (قراءة معاصرة) التي أخذت حيّزاً من عنوان المجموعة، بأنّ (الشعر قراءة)، كما قلتُ في أكثر من مناسبة، وحين يقرأ شاعر معاصر يعيش معنا، ويتنفّس ثقافتنا، ويتمشّى في الأسواق، عنواناً تراثيّاً بوزن (معجز أحمد)، فإنّه يسعى إلى إنتاج خطاب استعادي يُخبر بشيئين : الأول أنّ هذه القراءة الشعريّة هي امتداد لتلك المتون التراثيّة المهمّة التي شكّلت علامات فارقة في الشعرية العربيّة القديمة، وهي تحدٍّ للفحولة التي تنضح منها، والآخر يتمثّل في أنّ هذه الذات المُستعيدة فيها سعي حثيث لخلخة راكد التراث، وتفكيكه، والاقتراب منه بوعي معاصر، والاستعاضة عن ذلك الفحل بفحل جديد، عبر محاولة ترسيخ (العمود) المعاصر في الثقافة المعاصرة التي راكمت خلخلات وتفكيكات متعدّدة استهدفته مرّات ومرّات في سعيها للإطاحة به دونما جدوى! تتكرّر الاستعاديّة العتباتيّة في تجربة محمد الأسدي عبر مجموعة شعرية أخرى – هي مدار مقاربتنا هنا – وهي مجموعة (التوقيعات) الصادرة في دمشق عن دار أمل الجديدة عام 2018، أي بعد ما يقترب من سبع سنوات على صدور التجربة الاستعادية العتباتيّة الأولى عنده، وهذا الصنيع، لا ينبغي أن يُقرأ قراءة عابرة، على أنّه فعل برئ، بل هو – حتماً وربما أكيداً – عودة لنزوع استعادي ترتضيه الذات الشاعرة، وتحاول تكريسه في التجربة العامة. لكنّ التجربة هنا تُحاول أن تُمرّر لنا نيّات تحوّل وتمرحل أصابت شعريتها، بالمقارنة مع شعرية (معجز أحمد : قراءة معاصرة)، فالشكل الشعري المُنجز في (التوقيعات)، ينتمي ل(قصيدة النثر)، وهنا تنتقل الاستعاديّة من محاولة ترسيخ إلى محاولة تجاوز وعبور، فنحن نعرف بأن (التوقيعات) نص نثري بخيل لغويّاً، كريم دلاليّاً، يحمل طابعاً ذاتيّاً خاصاً، ينتمي في الغالب للدائرة الرسميّة (خليفة - وزير – أمير – قائد...)، لكننا – حين نمعن في متن المجموعة – نُمسك بعلامات استعادية مهمّة تكشف لنا عن نمط التعالق مع عنوان المجموعة الرئيس، فتوقيعات – قصائد نثر – محمد الأسدي هي – في الحقيقة – قراءات ثقافيّة تسعى في أن تُنتج جملاً ثقافيّة تستهدف علل الثقافة العربية؛ لتفضح أنساقها يقول في ص 5 – وهي القصيدة الأولى في المجموعة-: لستُ المصلحَ ولا الأوحدَ.. أنا نكرةٌ.. -كالأغلبية النظيفة – مكتفياً بهامش من حياة تحتشدُ بالشعر والخبز والأطفال تأخذ هذه القصيدة الومضة حيّزاً مهمّاً من فراغ المتن، فتقع في منطقة مهمّة هي منطقة (البدايات)، ولهذا دلالته – طبعاً – وتأتي بطريقة جلد الذات، أو بأسلوب الاعترافات التي تنتزعها الحياة منّا عنوة، وهي صرخة الذات الشاعرة الأولى في هذه المجموعة، تليها صرخات تُعزّز من خطاب الضد المتمرّد الذي يُهيمن على معجم المجموعة، لنرى ماذا يقول في ص6: ما أنا سوى مكذوب عليه يزيدُ عربةَ الأشراف حصاناً وُلدتُ وفي فمي لجام الحاكم بأمر الله هذه الومضة تُعزّز صرخات الذات المتمرّدة حتى على نفسها، وتطويع اللغة -هنا- لخدمة الدلالة الثقافيّة بادٍ في توظيف (تركيب الحصر) إمعاناً بدلالة التهميش: (ما أنا سوى مكذوب عليه)، ثم تأتي استعادة مهمّة لجملة ثقافيّة شائعة، تُضمر نيّةً لقلب فحواها وهي قولهم: (وُلد وفي فمه ملعقة من ذهب) للدلالة على مناخه المُترَف، في جملة (وُلدتُ وفي فمي لجام الحاكم بأمر الله) وهي محاولة لكسر نسق الفحل السلطوي بخطاب ساخر. إن خطاب التوقيع التراثي يكتسب بلاغته من المؤسسة لا من الذات واللغة، من ذلك الآخر المتسلّط/ السلطان؛ لتقع الذات، واللغة تحت تأثيره، وتُسلِّم له، لكنّ الاستعاديّة في تجربة الأسدي تقلب المعادلة، فتكون بلاغة التوقيع فاضحاً نسقيّاً، يسعى إلى تجريد الذات من أناها، لسحب البساط من تحت أقدام الآخر، فالخطاب في المثال السابق لم يكن من وكده التعرية المباشرة للمؤسسة، لكنّ الحطّ من قدر الذات، ورسم ملامحها الساخرة في ظل فضاءات التسلّط الثقافيّة هو في الحقيقة محاولة لكسر هيمنة ما رسّخته المؤسسة والثقافة معاً. ثمة قراءة أخرى لبنية التوقيعات التراثيّة، بعد استعادتها عتباتيّاً -هنا في مجموعة (التوقيعات) للأسدي، وهي قراءة تحاول أن تنزاح -شعريّاً- بالمعنى الاصطلاحي القار تراثيّا لمصطلح التوقيعات، فتنقل قصدية الخطاب من الدلالات التي تُنتجها المؤسسة الثقافيّة، إلى أخرى تُنتجها الذات التي تسعى إلى كسر نسق تلك المؤسسة التي كبّلتها طيلة هذه المدّة، وهنا تكمن أهمية عنوان المجموعة الذي يُشكّل عتبةً استعاديّةً مهمّة، تتجاوز الأصل، بل تتمرّد عليه رؤيويّاً، وبنيويّاً، فالانتقال من النثري إلى الشعري (قصيدة النثر) تمرّد، والانتقال بثقل الإنتاجيّة من المؤسسة إلى الذات تمرّد، ووجود (العنوان الأجناسي: شعر) على غلاف المجموعة صرخة بوجه المؤسسة التي تصنع فاصلاً فحوليّاً بين النثرية والشعريّة. إن العتبة الاستعادية الناضجة هي -في الحقيقة- محاولة مخاتلة لتوريط المتلقّي بتلقٍّ متسائل، يخلق عنده أسئلة كثيرة، تدفعه للحفر عميقاً بحثاً عن دوافع الاستعادة العتباتيّة، فمع ما تتيح اللغة من بدائل لماذا يعمد الشاعر إلى هذه الاستعادة؟ وهو سؤال جوهري يدفع بالمتلقي إلى الولوج في المتن، فيصير التراث ومسمّياته طُعماً لتوريط المتلقي المعاصر في متن يحمل عتبةً تراثيّة قارّة في ذاكرته، وهنا – في الحقيقة – تكمن خطورة الاستعادة العتباتيّة؛ فهذا التعالق الامتدادي مع الماضي، يُحتّم على المتن أن يصنع تعالقاً ارتداديّاً بطريقة تكسر أفق توقّع المتلقّي، وهذا ما حصل في تجربة (التوقيعات) للشاعر محمّد الأسدي. * كاتب وناقد عراقي