كانت المناسبة على قدر من الأهمية. مناسبة فنية من النوع الذي يعتبره الفنانون جزءاً من عملهم وحياتهم، وينتظره الجمهور بلهفة وشوق، ويسبغ نوعاً من الحيوية على المشهد الثقافي في المدينة المتعطشة لكل اشكال الحياة. غالبت الممثلة تعب يومها، لبست اجمل فساتينها وتزينت، وأخفت كل ما يشي بحقيقتها كامرأة كادحة تعمل ليل نهار كي تلحق بآخر الشهر. كانت المناسبة اكثر من عادية ربما، وأقل من استثنائية. لنقل انها احتفاء بالفن والفنانين، واحتفال بالسينما العربية، من خلال العمل الثاني لمخرج شاب، يشق طريقه في عالم الفن السابع. العرض الاول لشريط سينمائي اشكالي، في تلك العاصمة العربية المشهورة بماضيها الثقافي العريق الضائع؟، بسنواتها الذهبية التي تثير اليوم كثيراً من الحنين، وبعضاً من النقد واعادات النظر. والفيلم من بطولة ممثلة مشهورة يجذب اسمها الجماهير، الى جانب ممثلتنا الموهوبة التي فرضت حضورها منذ سنوات على الشاشة الكبيرة وخشبة المسرح. والعرض الافتتاحي لشريط سينمائي، هو حسب التقاليد المتبعة في كل مدن العالم، مناسبة للاحتفال بالمبدعين، ولتكريم الفنانين وتقديمهم الى الجمهور. هذه هي لعبة السينما: غواية مزدوجة، بين ممثل يستهلك روحه ليتألق على الشاشة، ومشاهد يبحث عن مثل عليا وآفاق للحلم والتماهي. لكن التقاليد في هذه المدينة - العجيبة - التي ترفع عالياً لواء الثقافة، مختلفة بعض الشيء عن الأماكن الاخرى... حشد من الوزراء والمسؤولين وزوجاتهم، ورجال الاعمال والمنتجين، احتلوا مركز الصدارة والاهتمام، ووقفوا كالطواويس في دائرة الضوء. يكرم بعضهم البعض الآخر، وتعلو وجوههم المطمئنة ابتسامات المجاملة. هبط الوزراء من على الدرج المركزي، سلّطت عليهم البروجكتورات، وعلا التصفيق: هؤلاء هم ابطال الفيلم؟ كلا يا صديقي، هؤلاء هم أبطال هذا الزمان! حين تنحسر الثقافة، يتقدم ابطال الكرتون، يتربعون على عروش الشهرة الزائلة. من هو النجم الحقيقي إذاً؟ أين أبطال الفيلم؟ لم يرهم احد. دخلت الممثلة من احد الابواب الجانبية مع بعض زملائها. جلسوا ولم يفطن اليهم احد. لم يقدمهم احد على المنصة، لم يصفق لهم الجمهور. فقط دخلوا وجلسوا، ككومبارس يؤدون ادوارهم بعناية... ويمكن استبدالهم بسواهم في كل لحظة. الاستعراض يتمحور حول الأبطال والنجوم، لا حول الممثلين الثانويين الذين ينتصبون هنا كالديكور وسائر ادوات الاستعراض وأشيائه. عندما انتهى الفيلم وأسدلت الستارة وأضيئت الصالة، تلفت بعض المشاهدين بحثاً عن تلك الشخصيات المرموقة، فلم يروا احداً. هؤلاء قوم مشغولون، لا وقت لديهم يضيعونه في الفن والسينما. لذلك احتفلوا بالفيلم قبل عرضه! جاؤوا لهم بقالب الحلوى أولاً... فقصته زوجة الرجل المهم امام عدسات المصورين، ووزعت قطع الكاتو على السادة الوزراء، وكان المنتج الجبار الذي سيبث الفيلم على احدى قنواته التلفزيونية، سعيداً بضيوفه وبالمناسبة. لم تأكل ممثلتنا الكاتو، لم تقترب من قالب الحلوى الذي خُط اسمها عليه بالكريما. لكنها تفرجت على الفيلم، بعدما ذهب الوزراء والأعيان الى مناسباتهم المهمة. راقبت نفسها على الشاشة، وكان لها ملاحظات كثيرة. ثم مضت الى النوم. لا بد لها غداً من طاقة كبيرة لاستئناف تصوير المسلسل التلفزيوني الجديد. وتلك حكاية اخرى، لا بد لها من مقالة اخرى.