قلة هم السينمائيون العرب الذين يجرؤون على اختراق المحرّمات في عالم الفن السابع. بعضهم يدخل "حقل الألغام" رغبة في خلق ضجة حول فيلمه. وآخرون ينساقون وراء المواضيع"الحساسة"عن قناعة وإيمان بدور تنويري للسينما في مواجهة أفكار الانغلاق والعنصرية والتطرف. لطيف لحلو المخرج السينمائي المغربي المخضرم ينتمي الى الفئة الثانية. فيلمه الأخير"سميرة في الضيعة"يشهد على ذلك. العجز الجنسي عند الرجال، وتعرية رغبات المرأة يشكلان خيط الفيلم الرئيس. مغامرة؟"أي فيلم هو بحد ذاته مغامرة قائمة بذاتها"، يقول لحلو في حديثه الى"الحياة"، ويضيف:"لم أحسب حساباً للتحديات. جلّ ما أردته هو التعبير عن مشاعر نصادفها على أرض الواقع ولا تجد مساحة لها في السينما العربية. أردت كسر بعض المسكوت عنه في سينمانا، وإعلاء صوت نسمعه في حياتنا اليومية". فماذا عن هذا الفيلم؟ من حلم الى كابوس تبدأ الحكاية حين يتحقق حلم سميرة سناء موزيان بالزواج بعد طول انتظار. ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، إذ سرعان ما سينقلب الحلم الى كابوس، وتكتشف بطلتنا أن زوجها الجديد محمد خيوي عاجز جنسياً، وأنه أقدم على الزواج منها حفاظاً على التقاليد، وفي الوقت ذاته كي تساعد ابن أخيه فاروق يوسف بريتل على العناية بأبيه. هنا تبدأ رحلة عذاب هذه الشابة، فتحاول إيجاد بديل، لتعوض الفراغ العاطفي والحرمان، حتى أنها لا تجد مانعاً بصب اهتمامها ناحية فاروق الذي سيرفض، في البداية، مشاركتها في خيانة عمه، قبل أن يستسلم لنداء القلب والجسد في ما بعد. لكنّ هذه العلاقة لن تدوم طويلاً، إذ سرعان ما سيشتم الزوج رائحة الخيانة، ويقرر أن يطرد ابن اخيه من منزله، من دون أن يتحقق من شكوكه، لتجد سميرة نفسها مرة أخرى في براثن العزلة. طبعاً ولوج مثل هذا الموضوع ليس بالمهمة السهلة. والصفعات متوقعة. أولاها، رفض أكثر من ممثلة مغربية للدور بسبب"جرأته غير المعهودة في السينما العربية". فكان الحل بالتوجه الى الخارج، وتحديداً الى المغربيات المهاجرات. لكن الصفعات لم تتوقف. أولى المرشحات سارت على خطى مواطناتها، ولم تقبل الدور، بحيث بدا وكأن"لعنة"ما تحوم من حوله. ثم أتى اختيار سناء موزيان الفنانة الشابة التي عرفها الجمهور سابقاً في فيلم"الباحثات عن الحرية"للمخرجة المصرية إيناس الدغيدي ليكسر"اللعنة"."سناء موزيان فنانة بحق. إذ تمتلك إحساساً قوياً، استطاعت من خلاله أن تتقمص شخصية"سميرة"على أفضل وجه، حتى أنني صرت اناديها في الحياة العادية باسمها في الفيلم ونسيت اسمها الحقيقي"، يقول المخرج، ويضيف:"جميع الممثلين في الفيلم أثبتوا جدارتهم، وإلا لما ذهبت جائزة أفضل دور رجالي أول وثانٍ في مهرجان الفيلم الوطني الى محمد خيوي ويوسف بريتل". اتهامات "العبرة بالخواتم"... بهاتين الكلمتين يرد لحلو على من اتهمه بصناعة فيلم بورنوغرافي. ويضيف:"حرصت في هذا الفيلم على الحديث عن مواضيع بالغة الأهمية في حياتنا، من دون عقد. ولم أصنع فيلماً بورنوغرافياً، لأنني لست من محبذيه. وفي رأيي، إن كان السيناريو يقتضي وجود بعض المشاهد الجنسية، فإن ثمة أساليب لتصويرها بطريقة لا تصدم المشاهد". وبالفعل، نجح المخرج في عدم الانزلاق نحو المشاهد الإباحية، على رغم أن سياق هذا الشريط الطبيعي، يوفّر له فرصة أن يضمنه مشاهد لا يمكن وصفها بالمجانية. لكن المخرج اكتفى بالرموز والإشارات والتلميحات، التي في أحيان كثيرة تكون أشد وقعاً من المباشرة. ولا يعتبر لحلو تصرفه هذا هرباً من الانتقادات، إنما هو"أسلوب عمل، ورؤية سينمائية جعلتني أركز على سيكولوجية الشخصيات لا الأحداث. فما يهمني هو الدخول في أعماق كل شخصية، وإظهار معاناتها الداخلية، والتعمق في أحاسيسها. فالعزلة في أحيان كثيرة تتغلب على صاحبها، وتدفعه الى الهاوية. وهو موضوع بالغ الأهمية. ثم إن موضوع العلاقات بين الرجل والمرأة ليس جديداً على سينماي، فمنذ زمن وأنا مشغول به". مشوار مشوار لحلو في عالم الإخراج، كفيل بتأكيد ما يقول. ولا مجال هنا لاستعراض أعماله، إذ في جعبته 14 فيلماً قصيراً وأربعة أفلام روائية طويلة تضاف الى فيلم"سميرة في الضيعة"، وهي"شمس الربيع"1970،"التسوية"1985،"حائط الرمال"2003،"كاتب تحت الطلب"2005. إضافة الى أفلام لآخرين تولى هو توليفها المونتاج، حققها كلها في الستينات من القرن الماضي. لطيف لحلو اليوم، وعلى رغم سنواته ال68، لا يزال يحلم بمشاريع جديدة، تشبع رغباته. يقول:"أصنع سينما لمتعتي الشخصية، وإن وصلت الى الجمهور، فلن أكون تعيساً. لكن ما يهمني قبل أي شيء آخر، هو أن اعبر عن مواقفي بصراحة". ويعزو لحلو أزمة الدراما المغربية الى غياب السوق الداخلية، وعدم وجود صالات سينمائية تواكب تضاعف كمية الإنتاج. ويقول:"ننتظر إقرار الحكومة مشروعاً يدعم إنشاء صالات سينمائية بمستويات عالية، لأنه إذا استمر الوضع على ما هو عليه، تكون كل الجهود التي اتت على مستوى الإنتاج قد ذهبت سدى". جوائز وإذا كانت أهمية الأفلام السينمائية تقاس بكمية الجوائز التي تحصدها في المهرجانات، فإن فيلم"سميرة في الضيعة"نجح في هذا الامتحان. إذ، حيثما عرض نال الجوائز والإشادات. التكريم الأول أتاه من مهرجان أفلام العالم في مونتريال، حين نال جائزة السيناريو الخاصة بلجنة التحكيم الكبرى بالمهرجان، وجائزة النقد السينمائي. تبعه تكريم في طنجة بنيله ثلاث جوائز من المهرجان الوطني للفيلم جائزة لجنة التحكيم وجائزتي أفضل دور رجالي أول وثانٍ. أما تتويج هذا الفيلم كأحد أفضل الإنتاجات السينمائية في المغرب لهذا العام، فأتى من مهرجان مراكش السينمائي الدولي، بعدما وقع اختيار المهرجان عليه، الى جانب فيلم أحمد المعنوني"القلوب المحترقة"ليمثلا المغرب... والأكيد أن رحلة"سميرة في الضيعة"مع المهرجانات لن تقف هنا، ويبقى الرهان الحقيقي في كيفية استقبال الجمهور له عند عرضه في الصالات.