تتميز مجموعة الشاعر السعودي الشاب عبدالرحمن الشهري، وعنوانها"أسمر كرغيف"المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 2004، بميزتين تخصانها, وتميزانها عن كثير من الشعر الراهن، وهما: الاختزال البرقية والتأمل الهادئ... ويقدم لنا في جلّ نصوصه ما يجاوز ثلثي الديوان المختزل قصائد سريعة حدثية ذات مفارقة، هي أقرب ما تكون من قصائد الهايكو اليابانية التي نقل معظمها الى العربية أخيراً على يد الشاعر السوري المقيم في اليابان محمد عضيمة. ولا يكفي العنوان بمفرده"أسمر كرغيف"لإعطاء فكرة عن أبعاد الصورة المقدمة، لأنها مفصولة عن صورة أخرى ضرورية لتقديم المفارقة في العمل الشعري، وهي مأخوذة كمقارنة أخيرة من قصيدة بعنوان"تصفحته لاحقاً"، يقارن فيها الشاعر، في ما يشبه الخطاب مع الذات، بين وجهه الأسمر المكوّر كرغيف، الذي تراه أمه"بدراً"، وبين ما يراه الآخرون، بخلاف ما ترى اليه أمه، يقول: "وكما أنت في عين أمك/ تلك التي أطعمتك الرغيف المجمّر/ بدرٌ/ هنالك من ينظرون الى بدرها،/ كرغيف". إنها مسألة المزج والفصل ووضع المسافة بين الأبعاد، وهي حكمة المقطع الأخير في القصيدة. يخيّم على قصائد هذه المجموعة الشعرية ونصوصها، إحساس بالصمت، وهو مزيج من التأمل الهادئ الحزين، والحكمة التي لا تقوم بتعنّت، الحكمة غير التعليمية، بل المتقدمة بتلقائيتها من تأملات المشهد أو تأمل الذات. يخالج ذلك، شعور بالوحدة، على ما يقول ألبرتو كاييرو"كوني شاعراً هو طريقتي في أن أكون وحيداً"، Solo بالإسبانية، وحده، أو كما يقول السويدي ترانسترومر:"كثيرون. وحدي"، كأنما هو تكوين الشاعر هكذا. ليس لعبدالرحمن الشهري تبعاً لما يكتنف صنيعه الشعري من صمت، أن يطيل الكلام، وإن أطال الإطراق في ثنايا نفسه، أو في الخارج، أو الليل أو البحر أو السماء... الخ. إنه يكتب، كما لو أن الكلمات تعكّر صفو الصمت أو نهر الصمت في داخله. ربما يكتب لا ليصف أو يبوح، بل ليدعو نفسه والناس الى مزيد من الصمت... تراه كمن يسترق السمع لحركات الأشياء ووشوشة الكائنات له... مثلاً:"يسمع قرقعة السنوات المنتظمة/ في خيط السبحة"... أو"شاهدوه بباب العيادة/ كان ينقش تفاحة في جدار الممر"أو"سوف نكنسهم بمصابيحنا/ ونكوّمهم خارج الذاكرة"،،، ،،، الخ. الحساسية الشعرية إذن، هنا، هادئة، وتأملية، ولا تخلو أحياناً من غموض مؤلم... بل لعله الألم الذي تتركه اللحظات العابرة، وعبور العابر الذي لا يبدأ ولا ينقطع ولا ينتهي... ملاحظة العبور، مثلاً، في شارع مفتوح لسيلان العابرين والسيارات حيث تصفع فيه وجه الاسفلت الأقدام العابرة، والعجلات العابرة... يمر صبي مجهول، امرأة مجهولة، عربة مجهولة... يلتقطها الشاعر"المتأمّل"... ونسأل أنفسنا: وماذا بعد؟ نعم:"الشارع خالٍ/ إلا من ثقبٍ في قلبي/ يسمح بمرور العالم". فهذا التناسُب بين الشارع وقلب الشاعر، هو المفارقة الشعرية في القصيدة... بل هي المنقذ للنص من سيل التفاصيل المفتوحة... كل قصيدة من قصائد الديوان، تقريباً، تنتهي بوشم أخير. بعبارة أو علامة مفارقة وفارقة. بصورة. وهي جزء من تقنية كتابة الشاعر أو صنيعه وتقنيته الشعرية: فهو ينهي قصيدة"تطرّزه بالدعاء لتخلعه فوق أبنائها"بجملة"لن يطول انتظار السماء"، ويقول في قصيدة"تصفحته لاحقاً":"صار لونك سرّك"، وفي قصيدة"كنت أطلقه من أعالي دمي":"الحياة حمام وريش"وتنتهي القصيدة بالبيت التالي"طار كل الحمام". ومفارقة قصيدة"لا غناء يطير به داخله"هي البيت الأخير المعبّر:"كان في صمته/ غيمة باتساع الجفاف"... وهكذا الى آخر القصائد. يلاحظ أيضاً تقنية العناوين والقصائد. فالعناوين جزء عضوي من القصائد لا مكان لخارجها أو واجهة لها... وغالباً ما يقرأ العنوان مع القصيدة وفي سياقها. فثمة تناغم بين النص وعنوانه، يتباهيان، يتآخذان، يتداخلان: هنا مثلاً، ثلاثة نماذج لقصائد مختزلة، بعناوينها: الأول: أثقلت غصن كاتبها العنوان ما لبثت أن أخذت وضعاً في كنف الأوراق القصيدة بكامله الثاني: العنوان: لا أريد الكثير القصيدة: تحت قصف وجوه ستطلقها فوهات الشوارع خلف ملامحها اختبئ. الثالث: العنوان"الجدار أم الظلّ؟" القصيدة: لا تدري ماذا فقدت بالضبط. وهناك قصائد أخرى، الواحدة منها بحجم عنوانها، وربما كان عنوان بعضها أطول منها. وهي تقنية في الاختزال لافتة للانتباه. ثمة قصيدة بعنوان:"صورة بين أوراقه"، تتكوّن من جملة واحدة بحجم العنوان:"ليته يستطيع التكوّم داخلها"، فمن الواضح أن القصيدة لا تستقيم بلا العنوان الذي هو سطر من سطورها، وبه تكتمل الجملة الشعرية. ومثله، قوله، بعنوان"على رسله يتقاضى الحياة". فالقصيدة التي تلي مؤلفة من سطر واحد، وهي جملة فعلية كالعنوان، وتكتمل به. يقول:"غادر المرجفون فأطلق سحنته في عراء المدينة". أكثر من نصف الديوان، هو على صورة ومضات شعرية مختزلة، بعناوين طويلة، وكل عنوان جملة تدخل عضوياً في القصيدة وتقرأ معها... بخاصة الجزء من المجموعة المسمى"خوَّضَ في النور حتى الغشاوة"... فپ"ذلك البدر"،"كان أبعد من لؤلؤٍ في محار القلوب"انتهى النص. على فم شاطئها"جَدّ في بحثه عن حطام ابتسامة"انتهى النص، وپ"تقاطر في قلبه الأصدقاء":"واقف كتمثال حبٍ يذكّرهم بمواعيد أخرى"انتهى النص وپ"لا حدّ للشغب المرابطِ في فمه"وهو العنوان أما القصيدة فهي: "لم يعد يتذرّع بالنوم والظلام يوزّع أقداحه الدافئة...". أما القصيدة الحوارية المكتنزة، الجميلة، فهي التالية، ولا تتجاوز سطرين: السؤال والجواب/ بعد العنوان:"على بعد جيلين ? هل نحن في حاجة للصور؟/ - عندما لا نكون سوى آخرين". يخيّل إليّ، وكأن عبدالرحمن الشهري - في مجموعته الشعرية الجميلة المختزلة هذه"أسمر كرغيف"- هو أقرب ما يكون للفتى الذي وصفه بقوله:"فتى/ يتأهب للعزف على كامل أعضائه". فنصوصه خلسات شبيهة بخلسات الكرى... وهي مشغولة بهدوء مؤلم يميل الى الاشارة أكثر من ميله الى العبارة، والى الخفاء أكثر من ميله الى التجلي، والى الانشغال بالذات والتنصت اليها ومن خلالها الى كل ما يدبّ على الأرض أو يرفّ في السماء أو يغوص في البحار، وتسريب أصداء عن ذلك بالكلمات القليلة والمترددة. لذا تظهر النصوص وكأنها بدايات أحاديث مع الذات، وتظهر وكأنها تخفي أكثر مما تعرض... أيضاً، نلاحظ أن الشاعر قليلاً ما يستند الى الصور في شعره، واللغة لديه غير صارخة، وهي بالكاد تخطو الى غايتها... كقوله في يوم"العرضة"وهي الرقصة الشعبية السعودية المعروفة:"أن تعرُض/ أن تشرب في قدح مثقوب"، أو كقوله:"لا أصعد إلا ما يرهق/ لا أهبط إلا معتنقاً جبلاً أعلى". ففي اختصار الكلام احتشاد للمعاني، على حد قول النفري حول اتساع المعنى وضيق العبارة. لهذه الأسباب وسواها، اعتبرنا تجربة عبدالرحمن الشهري، في مجموعته الصغيرة الجميلة"أسمر كرغيف"تجربة جديرة بالانتباه.