خلال الأعوام القليلة الماضية قرأنا في الصحافة وأعمدتها الثقافية كلمات وخواطر حول الشعر أكثرها آل إلى النسيان، وبعضهاالقليل كان مفيداً، لما اكتنزه من تأملات ذكية في أحوال القصيدة العربية على مشارف القرن المقبل، فترك بعضاً من الأثر المرجو منه. وفي الوقت الذي يسترجع واحدنا المساهمات النقدية الجيدة لبعض الشعراء/ النقاد فإنّه يكاد لا يتذكّر، بسرعة، مقالة واحدة لناقد أكاديمي محترف أثرتْ النقاش حول الشعر طوال السنوات العشرين الأخيرة، وأشعلت ضوءاً جديداً هادياً إلى القصيدة. لقد جادت قرائح هؤلاء الشعراء/ النقاد وومعهم نفر آخر قليلٌ مثلهم بملاحظات قليلة هي الأخرى، لكنّها قيّمة، حول العرف الشعري العربي، والمسار التطوري للقصيدة العربية، وقدمت نظرات وتساؤلات حول تعايش الأشكال الشعرية وتصارعها، وحول المخيلة الشعرية والميول الجمالية للشعراء ومشاغلهم وموضوعاتهم الأثيرة، ورمت إشارات إلى ما أنجزته الشعرية الحديثة من تبديل في الأسس الجمالية التي تنهض عليها المفاهيم من دون أن تتبدل هذه المفاهيم في نظر القاعدة العريضة من قراء الشعر كذلك سَجَّلتْ بعضُ الخواطرِ والمتابعاتِ النقدية ملاحظاتٍ حول مزاحمة الرواية للقصيدة. ولعل أبلغ ما في هذه التأملات والخواطر والملاحظات مجتمعة تلك الإشارات المتكررة من قبل غالبية المذكورين حول تقهقر اللهجة الخطابية، والنبرة العالية في الشعر الجديد، لصالح الصوت الخفيض، والنبرة الهادئة، والصورة اليومية مع التحفظ على التعبير الأخير لا سيما في ما يسمى، حتى الآن، قصيدة النثر، حيث بدا أن الشاعر في وسعه أن يكف عن تمثيل دور البطولة في مشهد إنساني متقهقرٍ، ليحتفظ وللمرة الأولى ربما بشاعريته مقرونة بأرضيّته، بعد عقود من التيه في سموات بلا ضفاف! أحكام متسرّعة على أن المشكلة التي لم تحظ بالجدل وأثارتها بعض المقالات في معرض التأمّل في ظاهرة "الانتشار المروّع" لقصيدة النثر، هي ما تصوره بعض النقاد من حاجة ملحة لولادة "شاعر كبير" يقلب المعطيات الراهنة في قصيدة النثر ويجعلها مقبولة من قبل ذائقتين "الذائقة الشعرية التي تمت تربيتها وصناعتها عبر العصور"، وذائقة "القلعة الأكاديمية العربية" وقصيدة النثر غريبة على الجهتين. والحق أن الملاحظة هذه وهي للناقد الأدبي فخري صالح تستفز في شاعر قصيدة النثر عصباً درب هذا الشاعر نفسه على تهدئته، وأحياناً قمعه. وملاحظة صالح تجعلني أرى أن خطابات نقد الشعر العربية، على ما تبديه من صداقة للنص الجديد وإيحاء مستمرّ بالمقدرة على فهم الأسس الجمالية التي ينهض عليها هذا النّص، تدفع، في كل مرّة تتأمل فيها إنجازات شعرية حديثة، إلى استنفار البعد الراديكالي في الشاعر، وتحويله إلى خصم لها. وليكن المرء أكثر وضوحاً، فيقول ما يراه، رأساً. ليس في الممارسة النقدية الحديثة في العالم العربي إلا ذلك الإستقبال الصحفي للمجموعات الشعرية في مقالات مفردة تشبه كل واحدة منها لحداً يثوي فيه ديوان الشاعر ردحاً من الزمن إلى أن تقلِّبه في هذا اللحد كلمةٌ جديدة. كأن شعر الشاعر العربي الجديد صنيع منفصل قائم في ذاته لا يربطه بفضاء الشعر رابط، فهو نسيج وحده، وقدره أن يظلّ غريباً، على رغم كل ما يسجله النقد ويسجّله أصحابه الشعراء ضدّه أو معه من دعوى قرابة، أو صلة رحم، أو علاقة أبوة أو صداقة وما شابه من روابط مع شعر سابق عليه، تقال جزافاً في مقالة عمياء، أو في ندوة عابرة، أو في جلسة مقفلة. وقبل ذلك وبعده، وأثناءه ينشط اللسان الجاهل في تقولات على الشعرية العربية الحديثة بأسرها، لا على قصيدة النثر وحدها، من قبيل اللغط تارة والرطانة تارة أخرى، وتَروجُ، عبر مئات المقالات التي تحبّرها الفوضى، شائعات عن النص الشعري يختلط فيها حابل الجاهل المتحمّس للجديد بنابل الكاره المتمترس في القديم. ويتساوى نتاج الشاعر صاحب المشروع الذي يشق طريقاً، بقاص الأثر. ويستعمل اللسان الفارغُ كلمات الأخير ليعيد تأليف ""الضلالة الشعرية الحديثة" التي يمثلها الأول، في صورة هجاء إجتماعي سياسي للشاعر أولاً، وللمفهوم ثانياً، ولما يصوره أنه الشعر ثالثاً. ولنا في غير "شاعر كبير" سناً، وطويلُ باعٍ في الخلط، مثال على هذا "اللسان". لكن للشعر حياته الخاصة، وللقصيدة بيئتها الكاملة، وللشعرية حركتها المستقلة عن النقد، لو وجد، وعن التقول، كيفما كان موجوداً. إنها حياة غير مشروطة لا بهذا ولا بذاك، وإن كانت تتأثر قطعاً، من حيث أنها تظهر في أضواء السطح أو تتوارى أبعد، فيصعب قول كلام في ما هو غائب، أو هو ظليل الحضور. المخلّص إن مثال "الشاعر الكبير"، ما عدا ندرةٍ، في ثقافتنا الشعرية الحديثة هو أسوأ مثال يمكن للنقد أن يسترشد به ليدلّ، من خلاله، على ملامح هذا الشاعر/المخلّص الذي تنتظره قصيدة النثر، لأن أكثر من يحملون هذه التسمية اليوم هم أصحاب نصوص بهتت قبل أن يكون لها من العمر ما يجعلنا نعتد ببأسها كنصوص مبدعة. لقد جرف ذائقتَنا إلى الأمام الزمنُ الذي جرفَ شعرَ "الشاعر الكبير" وراءً. ولم يبق أمام الشاعر الجديد إلا أن يبدي خوفه من فعل الزمن! هنا، عند هذه النقطة ومن خلالها نقرأ "خطابات" النقد المضطرب الشاكية، أحياناً، مما تدّعي أنه "تراجع الشعر". نقلب الجملة ونعكس السؤال: من الذي يتراجع الشعر أم نحن؟ أعني الشعر أم القاريء! وأي شعر هذا الذي يتراجع، وأمام أي قاريء؟ وقبل ذلك وبعده أيضاً لا بد من ملاحظة أن الأسس التي تقوم عليها العملية الجمالية الحديثة في قصيدة النثر، أنتجت وتنتج مفاهيم ستبقى غير مستقرة مادام شاعر قصيدة النثر أشبه بلاعب التنس بلا شبكة، وعليه أن يتوهم وجودها، كلما رمى بالكلمة لتصيب موقعها في ملعب القصيدة، كما ذهب أحد النقاد الغربيين. وبالتالي، فإن هذه العملية الجمالية الجديدة على القراءة، تستبعد، من الأساس، فكرة "الشاعر الكبير" لصالح فكرة القصيدة الكبيرة. فلم تعد هناك حاجة إلى "شاعر كبير" وقصيدة صغيرة ما دام في الإمكان أن تكون هناك قصائد كبيرة وشعراء مبدعون. أغلب الظن، أن سقوط فكرة الإجماع، وهي فكرة قبيحة غالباً، أنتجتها الواحدية في التفكير والسلوك هزّ فكرة "الشاعر الكبير" هزاً عظيماً، فانحرف النظر عن شخصه أو هو في طور الانحراف عنه ليقع، نهائياً، على صنيعه الفني. والأمر نفسه أدى إلى تراجع مكانة الشاعر كدور لصالح مكانة الشاعر كشخص. احتمال الألم ولو نحن فحصنا جيداً صنيع المبدعين في الشعر وغيره من ظواهر الإبداع والتفكير والعمل، لوجدنا أن الذي يحدث اليوم يبدل الحاضر وسيبدل المستقبل. لكن مشكلتناهي الإقرار بالتغيير هو ما نرفضه ونأباه، لأن في التغيير ألم يقترحُ البعض أنّه أكبر من طاقتنا على الاحتمال، إنه ألم الإنقطاع عن العادة، والغربة عن الإلفة، والخوف من المجهول الذي يحمله الجديد. لكن الحقيقة المنافية لهذا الإقتراح تثبت أن الشعرية العربية لم تنقطع عن التحرك بحيوية في أرض الإبداع والكشف. كل ما هنالك أن استقبالنا هو الذي تغيّر بسبب اختلاف الأحوال، وتدهور أوضاع المجتمعات العربية. ولو جاز لنا أن نخضع بعض أبهى النصوص الشعرية التي ينتجها شعراء اليوم إلى المقاييس نفسها التي قيس بها شعر الأمس القريب الذي ملأ عيون النخبة وأسماعها وأفئدتها خلال عقدي الخمسينات والستينات خصوصاً، لهالنا الفرق بين ما أنجز بالأمس وما ينجز اليوم. فرق كبير منتظر من سُنَّةِ التطور أن تتيحه للفنان ومتذوّقي فنّه، يحيلنا، في آخرة الأمر، على تعقيد لا قبل لكلمة موجزة كهذه في تسمية عناوينه كلّها. إنه فرقٌ في كل ما يؤلّفُ الشِّعر. وهو فرقٌ أصيلٌ لعبتْ فيه النصوصُ السّابقة تارة دورَ القابلة التي أخرجت الوليد، وتارة أخرى دور الجسد الذي يضع الوليد.