"على السطح، ومن دون وجل، تزيح خلود الثوب عن صدرها ببطء... وشيئاً فشيئاً ، تشعر ب"معجزة" تتوغل في أحشائها، فتصدر من حنجرتها آهة خافتة...كأن القمر حنا عليها بنثار غيمة عابرة...من فرط الفرح تجهش خلود بالبكاء.. تنام قريرة باسمة...في بؤبؤ عينيها يتأرجح قمر وليد". يمضي الروائي أمين صالح في روايته "رهائن الغيب"، بسرد قصة خلود، الفتاة التي تعشق القمر وتحمل منه. لا يصدق الناس ما ترويه خلود. "نصدق ماذا، أيتها المخبولة، أن القمر هو الذي نام معك، في فراشك، وهو الذي بذر في بطنك نواة الخطيئة"؟ وفي تلك الرواية، تجعل النساء من القمر "هدفاً للنكات والتعليقات الساخرة التي لاتخلو من بذاءة ... لكن هذا لم يمنع النساء العواقر والعوانس خصوصاً من صعود الأسطح خفية، عندما يكتمل القمر ويتحول إلى قرص مشع...ضارعات لعل القمر الرحيم ...يوقظ فيهن الخصوبة". وتهيئ خلود نفسها "لأمومة غامضة". خيال شعبي خصب تصلح المقاطع الروائية السابقة نموذجاً من متخيل الكتابة عن القمر. وتعكس ما امتلأ به الخيال الشعبي عن القمر طوال قرون عدة. فقد بقي دائماً الكوكب الجميل والأخاذ، والشاهد على غرام العشاق...الخ. شيء ما في هذا الخيال لا يريد أن يصدق هبوط الانسان على القمر، ولا أنه صخرة تابعة للارض، لا ماء فيها ولا هواء. يقول الدكتور أيمن كردي، أستاذ علم الفلك والفيزياء في جامعة الملك سعود في الرياض، إن كثيرين في الشرق والغرب لا يصدقون وصول الانسان الى القمر. وينطبق الامر على مفكرين وعلماء ومهندسين، اضافة الى عامة الناس. وتفرد بعض المجلات صفحات طوالاً لنظريات تنفي ما حدث على القمر في العشرين من تموز يوليو 1969. وتتخذ لنفسها ذرائع عدة، بما فيها النقاش عن شكل الصور التي بُثت في ذلك اليوم، ومناظر السماء فيها، وتوزيع النجوم في خلفيتها وما الى ذلك. ويسأل آخرون عن الكيفية التي تمكن فيها الذين مشوا على سطح القمر من البقاء أحياء من دون أن يتعرضوا للاصابة بالشهب والجسيمات الصغيرة التي ترتطم بالقمر في صورة مستديمة، إذ ليس للقمر غلاف جوي، مثل ما للأرض، للحماية". ويؤكد كردي أن الهبوط على سطح القمر "من الحقائق الثابتة... وواجبنا نحن المحاولة للحاق بعصر الفضاء وفتح البرامج في التعليم العالي للتخصصات الحديثة والعصرية مثل علوم الفضاء الذي يفتقر اليه العالم العربي في شكل عام". وينطلق الدكتور زكي المصطفى، مساعد المشرف على معهد بحوث الفلك والجيوفيزياء في مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية في الرياض، من التسليم بهبوط الانسان على القمر. ويؤكد أن وصول الإنسان إلى سطح القمر يعتبر "قفزة علمية ساهمت في تطور شتى العلوم". ويذكر أن إرسال بشر إلى القمر، ليس هو الهدف الوحيد من تلك الرحلة التاريخية. ويشير إلى أن ما نشاهده من ثورة في المعلومات والاتصالات راهناً، لا ينفصل عما انجزه العلم على سطح القمر. ويتطرق إلى الاسهامات العربية في مجال علوم الفضاء. ويرى ان علماء عرباً، عملوا مع الفريق الأميركي وساهموا في وصول الانسان إلى تلك البقعة. "عندما نبحث في علماء الفضاء في أميركا لا نستغرب وجود عدد كبير من العلماء العرب بينهم". ويلفت المصطفى، إلى أن الوصول إلى القمر كان بداية "لسلسة من الرحلات لغزو الفضاء ومحاولات جادة من الباحثين لوضع تصور لكيفية بناء مستعمرات مأهولة في الفضاء الخارجي أو على سطح القمر". كلام اكثر رومانسية وفي الحديث عن الفارق بين القمر في الخيال الشعبي والحقيقة العلمية، تقول الكاتبة الصحافية المعروفة إيمان القويفلي إن القمرلا يعني لها الشيء الكثير... "ربما اثار الامر بعض قضايا ثقافية". وتُلخص شأن القمر بالنسبة اليها بأنه "شاهدُ الإبداع التكنولوجي...والحرب الباردة السوفياتية - الأميركية... وهو علامةٌ في الفضاء... يمكنني أن أستحضر موقع القمر في فيلم "أوديسا الفضاء 2001"، حيث لعب دور الهَدَف الثانوي في استكشاف الفضاء... ثم أستحضر موقع القمر في الأغنية الفيروزية "إمبارح شفناهن رايحين/ على قمر العشاق طالعين/ و نحنا بمطرحنا واقفين/ والسيارة مش عم تمشي...". هناك أيضاً تلك القصة التي تقول إن أحد علماء الدين في السعودية أنكر صعود الإنسان إلى القمر. اعتبرهُ تجديفاً على الله. هذه القصة نُفِخت حتى نُسبت كذباً لأحد مُفتي المملكة الراحلين. القمر الآن متورط في الجَدَل الديني. هل نحن عاجزون عن الوصول إلى القمر لأن بيئتنا تفكّر هكذا أم أن بيئتنا تفكر هكذا لأننا عاجزون؟ لماذا الإصرار على استخدام "الرؤية بالعين المجردة للقمر" لتعيين بداية شهر رمضان، بينما هناك طُرُقٌ أحدث وأفضل؟...ألم أقل ان القمر يثير حفنة قضايا ثقافية"؟ وتتحدث القويفلي عن القمر في حياة إبنة المدينة التي يحول السقف بينها وبينه. "دائماً هناك سقفٌ فوق رأسي... اعتدتُ أن أتعامل مع أشياء مُنسّقة إنسانياً. القمر ديكور جيّد للسماء، لا أكثر. صُدفةً أراه، وعندما يكون بدراً أشعر بالرهبة. عندما كنت أصغر، كنت أقرأ كتاباً عن فأرٍ شرهٍ يظن القمر جُبنة ضخمة ويقضي الليل كلهُ في الركض وراءه. والدي جرّب العيش في القرية. حكى لي مرّة عن صاحبه الذي انتقل إلى المدينة وعاش فيها. رفع رأسه ذات ليلة وهو يهّم بالدخول إلى منزل صاحبه، فلمح البدر. لم يكن قد رآه منذ سنوات. رفض ليلتها الدخول تحت سقف. أحضر صاحبه الشاي إلى باحة المنزل. وقضيا السهرة هناك. عندما تكون في المدينة تعتاد النظر إلى أسفل".