Uri Avnery. Chronique d'un Pacifiste Israelien Pendant L'"Intifada". اسبوعيات داعية سلام اسرائيلي اثناء الانتفاضة L'Harmattan, Paris. 2003. 310 pages. من يقرأ أوري أفنيري يراوده حالاً الشعور بأن العقل ما زال له دوره في تاريخ الشرق الاوسط رغم كل جنون العنف والعنف المضاد الذي لا يفتأ يغلف هذا التاريخ، إن لم يكن منذ قيام اسرائيل، فعلى اي حال منذ وصول شارون، اكثر جنرالاتها بطشاً وأحبهم لسفك الدماء، الى سدة الحكم عن طريق الانتخاب "الديموقراطي". أوري أفنيري هو بحد ذاته، كإنسان وككاتب وكمناضل سياسي، نموذج نادر لعقل أنجبه جنون التاريخ. فهذا اليهودي الاشكنازي الاصل، الذي رأى النور في المانيا في 1923، في بداية صعود الجنون النازي، اضطر الى الهرب مع افراد أسرته من مسقط رأسه عام 1933، بعد بضعة اشهر على وصول هتلر، كبير ممثلي اللاعقل في التاريخ، الى سدة الرئاسة، هو الآخر، عن طريق الانتخاب "الديموقراطي". كان لا يزال في العاشرة من العمر عندما وطأت قدماه، مع ابيه واخيه البكر، ارض فلسطين. ولم يكن قد جاوز الخامسة عشرة من العمر عندما انتمى، تحت تأثير الافتتان بالايديولوجيا الصهيونية، الى المنظمة القومية المتطرفة "الأرغون"، ثم أدى في 1942 خدمته العسكرية داخل وحدة للمغاوير تابعة لمنظمة "الهاغانا" التي اقترفت في حينه اعمالاً "ارهابية" لا تقع تحت حصر ضد المدنيين الفلسطينيين كما ضد مؤسسات الانتداب البريطاني. وقد شارك في "حرب الاستقلال" وجرح مرتين، قبل ان يصدر ابتداء من 1950 مجلة "هاعولام هازه". ثم انتخب لثلاث مرات على التوالي نائباً في "الكنيست" الاسرائيلي. وكان اول اسرائيلي يتصل منذ 1975، وبصفته صهيونياً، مع المسؤولين الفلسطينيين من ممثلي منظمة التحرير الفلسطينية. وفي 1967 اسس مع الجنرال ماتي بيليد القائد السابق للاركان الاسرائيلية، "المجلس الاسرائيلي للسلام الاسرائيلي الفلسطيني"، ثم كان بعد ذلك اول اسرائيلي يلتقي ياسر عرفات في بيروت المحاصرة عام 1982. ورغم الحظر الرسمي الذي اصدرته الحكومة الاسرائيلية، تكررت زياراته لعرفات وكانت آخرها تلك التي قام بها لمقره المحاصر في رام الله في كانون الثاني يناير 2002. وبصفته مؤسساً لحركة "غوش شالوم" كتلة السلام، أشهر المنظمات السلمية الاسرائيلية واكثرها جذرية، فانه لا يفتأ ينشر، منذ اندلاع الانتفاضة الثانية في ايلول سبتمبر 2000، مقالة اسبوعية يعلق فيها على الاحداث الساخنة من موقع غير "ارثوذكسي" بالمرة، الى حد اتهامه بالخيانة القومية وطلب تقديمه الى المحاكمة. ومن هذه الاسبوعيات اختار 66 مقالة جمعها في كتابه هذا، معتزاً بترجمتها الى الفرنسية، لأن فرنسا هي النواة الصلبة لأوروبا ولأن أوروبا هي المؤهلة وحدها في نظره دون الولاياتالمتحدة الأميركية لأن تتخذ موقفاً عقلياً واخلاقياً من النزاع الاسرائيلي الفلسطيني، وبالتالي موقفاً نقدياً من سياسات اسرائيل التوسعية والاستيطانية. لماذا هذا الحكم بتعجيز الولاياتالمتحدة الاميركية عن اتخاذ موقف عادل، بل محض موقف منطقي ولامتحيز، من الصراع المركزي في الشرق الاوسط؟ ان اوري افنيري لا ينكر وجود ضغوط سياسية داخلية يمارسها اللوبي اليهودي الاميركي او الجماعات الانجيلية الاصولية. كما لا ينكر وجود مصالح اقتصادية اميركية تتعلق، لا سيما في عهد الرئيس بوش ذي حاسة الشم النفطية القوية، بالسيطرة على منابع البترول في الشرق الاوسط. لكنه يضيف الى هذه الاسباب، وفي ما وراء هذه الأسباب، ما يسميه ب"النفس الاميركية" التي يطيب لها ان تتماهى مع اسرائيل، بقدر ما ان الحاضر الاسرائيلي يبرر الماضي الأميركي نفسه. فشعورياً أو لا شعورياً، يماهي الاميركيون بين الفلسطينيين وبين "الهنود الحمر" وشارون يتلبس في وجدانهم شخصية "صياد الهنود"، والضفة الغربية المحتلة تمثل لهم ما كان يمثله الغرب البعيد FAR-WEST والمستوطنون اليهود وكثيرون منهم من اصل اميركي اشبه ما يكونون ب"الرواد"، والاميركيون اذ يبررون ما تفعله اسرائيل حالياً، يبررون الجرائم التي اقترفتها الاجيال السابقة من الاميركيين وهي جرائم لم يتم قط الاعتراف بها فعلاً. وفي الوقت الذي تقف فيه الولاياتالمتحدة عاجزة - رغم توفر القدرة لها عن اداء دور ايجابي في فرض حل سلمي وعادل للنزاع الاسرائيلي الفلسطيني، فان اوروبا تتهرب بيأس من أداء واجبها، مع ان قدراتها هي الأخرى لا يستهان بها. والحق ان ما يشل اوروبا عن التدخل، او حتى عن التوسط، هو رزوحها تحت عقدة ذنب "المحرقة": فستة ملايين من ضحايا الهولوكوست يثقلون على ضمير اوروبا. لكن المحرقة اليهودية لا يجوز ان تكون مبرراً للمحرقة الفلسطينية. بل على العكس تماماً: فحتى لا ترزح اوروبا تحت وطأة عقدة ذنب جديدة، فان عليها ان تضطلع بواجبها السياسي والأخلاقي معاً لوضع حد لعملية تحويل الفلسطينيين الى ""ضحايا للضحايا". ولا ينبغي لأوروبا ان تخضع ههنا للابتزاز بتهمة اللاسامية. فبقدر ما ستفلح في الضغط من اجل تحقيق المصالحة بين الاسرائيليين والفلسطينيين فانها ستخدم اسرائيل نفسها. اذ ليس لاسرائيل من مستقبل آخر سوى الاندماج في محيطها. وهو في الاحوال جميعاً محيط "سامي". ورغم ما جبل عليه اوري افنيري من تفاؤل "بالفطرة وبالوراثة" كما يقول، فانه لا يماري في ان مستقبل السلم والعدل الذي يراهن عليه تغلّفه الآن سحب سوداء. فقوى الحب والحقد والخوف قد سيطرت اليوم على مقاليد الأمور في دولة اسرائيل، وهي تصر على الزج بالاسرائيليين على نحو اعمق فأعمق في دوامة صراع لا مخرج له. ومما يزيد في سواد هذه الصورة ان معسكر السلام داخل اسرائيل نفسها قد تفكك منذ اندلاع الانتفاضة الثانية، وان الحدود بين اليسار واليمين الصهيونيين، كما بين حزب العمل وحزب ليكود، قد امّحت. وهذا الانسداد في الداخل الاسرائيلي يقابله تعاظم القنوط واليأس في الجانب الفلسطيني. ومن هنا غلبة قوة التطرف الديني والقومي على القوي الطالبة للحوار من كلا الجانبين. ومن هنا ايضاً الحاجة الى اعادة بناء معسكر السلام في اسرائيل كمقدمة لا بد منها لاعادة بناء معسكر الحوار في الجانب الفلسطيني. ويرد اوري افنيري احد اسباب تفكك معسكر السلام الاسرائيلي الى كونه قد قام، في شق واسع منه، لا على أساس سياسي، بل على اساس اخلاقي ووجداني. فالسلميون الاسرائيليون ظلوا يتجاهلون لمدة طويلة من الزمن القضية القومية للشعب الفلسطيني، ولم يتعاطفوا مع الضحايا الفلسطينيين إلا لإعلاء صورتهم الاخلاقية في نظر انفسهم. ولكن حالما كفّ الفلسطينيون عن ان يكونوا مجرد ضحايا وتحولوا مع اندلاع الانفاضة الثانية، الى مقاتلين يوقعون الضحايا في صفوف الاسرائيليين انفسهم، انكفأ السلميون الاسرائيليون على انفسهم، وغسلوا ايديهم معتبرين انهم قد أدوا واجبهم، وان مهمتهم بالتالي قد انتهت. والحال ان اوري افنيري يرى النزعة السلمية الاسرائيلية ليس امامها من خيار آخر، حتى تكون فاعلة حقاً في المجتمع الاسرائيلي، سوى ان تكون "سياسية". وان تكون سياسية فهذا معناه ان تفهم ان "المصالحة التاريخية" بين الاسرائيليين والفلسطينيين ليس لها من طريق آخر سوى الاعتراف بالطابع القومي لمطالب "الأمة الفلسطينية". ففي فلسطين اليوم وهذا هو جوهر الواقع السياسي القائم في هذه المنطقة الضيقة من العالم شعبان وأمتان. وليس أمامهما من خيار آخر خلا الدوامة الجنونية للعنف والعنف المضاد، سوى ان يتعايشا، اي ان يقبل كل منهما بالوجود السياسي للآخر، وهذا عبر حدود مفتوحة لا مغلقة. فوحدها الحدود المفتوحة وهذه عبارة يطيب لأوري افنيري ان يستعيدها عن اسحق رابين هي حدود آمنة. ومثل هذه الحدود المفتوحة والآمنة معاً يمكن ان تجد رمزيتها في مدينة القدس نفسها التي ينبغي ان تبقى عاصمة مشتركة للدولتين ضمن نطاق حدود "الخط الأخضر" للرابع من حزيران يونيو 1967. وفي الوقت الذي لا يماري فيه داعية السلام الاسرائيلي في ان ازمة المعسكر الذي ينتمي اليه تعود، في حلقة رئيسية من حلقات سلسلتها السببية، الى "عسكرة الانتفاضة" الثانية وتصاعد وتيرة العمليات الانتحارية الفلسطينية، فانه يصر على رؤية سياسية وعلاج سياسي لظاهرة "الارهاب". وفي ذلك يقول في سياق تعليق له على اعلان الرئيس بوش "الحرب على الارهاب": "ان الارهاب كان ولا يزال اداة سياسية، والطريق الافضل لمحاربته هي على الدوام سياسية. حلّوا المشكلة التي تولّد الارهاب، تتخلصوا من الارهاب. اوجدوا حلاً للمشكلة الاسرائيلية الفلسطينية ولسائر الدمامل المتقيّحة في الشرق الاوسط، تتخلصوا من "القاعدة". فلسوف تذوي وتفنى كزهرة قطع عنها الماء". ويختم قائلاً ان المشكل مع حكومة شارون، المتشبثة بحل بوليسي للارهاب، انها بدلاً من ان "تقطع الماء بهذا المعنى عن الارهابيين، تقطعه فعلياً عن سكان القرى والبلدات الفلسطينية. وعلى هذا النحو تسوق الماء الى طاحونهم وتحولهم الى أبطال قوميين".