يرفض الدكتور يوسف الصمعان التساؤل عن أيهم أكثر «عذابات نفسية» المثقف أم السياسي أم رجل الدين؟.. ويوضح: «عبارة «عذابات نفسية» ليست في التصنيف العالمي للأمراض النفسية، لو قلنا من هم أكثر تعرضاً «للاضطرابات النفسية» لربما كان السؤال قابلاً لمحاولة الإجابة من الدراسات المثبتة أن المبدعين في الفن أدباً ورسماً وموسيقى يصابون باضطراب المزاج ثنائي القطب أكثر في المعدل البشري العام، هذا لا يعني بالضرورة أن الإبداع الفني يؤدي إلى الإصابة، بقدر ما يعني أن التقلب المزاجي للمبدع سواء في نوبات الاكتئاب أو الفرح الهوسي هي مساعد للتعمق في العملية الإبداعية، كما في دراسات جاميسون90». ويضيف: «لا توجد دراسات مستفيضة عن السياسي والمرض النفسي، أشهر دراسة في هذا المجال لديفدسون وزملائه خلصت إلى أن معدل الإصابة بالمرض النفسي بأنواعه عدا الذهان لدى الرؤساء الأميركيين هي ضعف المعدل العام للجنس البشري، ما يعاب على هذه الدراسة هو أن العينة صغيرة (44 رئيساً أميركياً حتى اليوم)، وقد لا يصلح أن نستنتج منها كثيراً»، مستطرداً: «ولا ننسى هنا أن أوباما نفسه كما في كتابه «من أحلام أبي»، عانى فترة من الإسراف في استخدام المخدرات، كما أن نائبه بايدن أصيب بنوبة اكتئابية حادة جعلته يفكر في الانتحار في أول الثلاثينات من عمره بعد الوفاة المفاجئة لزوجته وابنته في حادثة سيارة، ورجل الدين إذا سلمنا بهذا المصطلح ليس محمياً أو مترساً ضد الأمراض النفسية». ويتابع: «الدراسات لا تفيدنا كثيراً حول معدل إصابة رجل الدين قياساً بالمعدل العام إلا في ما يتعلق بدراسات ليست رصينة جداً أغلبها في تركيا والهند خلصت إلى أن رجال الدين أكثر عرضة للوسواس القهري من المعدل البشري العام». وعما إذا كان «التدين» نفسه يحمي من الأمراض النفسية؟..يقول: «مثل هذه الدراسات غاية في الصعوبة، ذلك لأن تعريف معايير التدين هو في حد ذاته صعب جداً وغير متفق عليه لا من جانب الديني أو العلمي، فهناك المحددات الخارجية للتدين Extrinsic مثل المظهر والذهاب بانتظام إلى دور العبادة، وهناك محددات داخلية Intrinsic مثل عمق التجربة الروحية للمتدين، الدراسات كثيرة ومتشعبة ونتائجها متضاربة، وكلها تقريباً كانت في الغرب المسيحي، أكبر هذه الدراسات هي الدراسة الكندية لمارلين بيتز وفريقها 2006 وشملت عينة من 37000 نسمة اختيروا بطريقة ممنهجة العشوائية، خلصت الدراسة إلى أن المتدينين الذين يذهبون إلى دور العبادة بانتظام أقل عرضة للقلق والاكتئاب من العينة غير المنتظمة في زيارة دور العبادة أو المقاطعة لها، في حين ان المتعبدين مع عمق في التجربة الروحية أكثر عرضة للاكتئاب!» ويؤكد: «لم تحسم هذه الدراسة الإجابة على السؤال الأصلي، إذ يرى الباحثون ان الشخصية المتعبدة بانتظام هي الشخصية الأكثر انتظاماً والتزاماً في طقوس الحياة الصحية بشكل عام، فهم عادة الملتزمون بالنظام الحياتي الصحي الجسدي، مثل المشي والرياضة والتغذية الصحية، وكذالك هم الأكثر التزاماً بالنمط النفسي الوقائي مثل تجنب الإسراف في تعاطي الكحول والنوم الكافي والأقل انهماكاً في التعاطي مع هموم ومشكلات الآخرين، في المقابل فان الشخصيات الروحانية وعلى رغم نسقها الديني كانت الأكثر تعرضاً للاكتئاب والقلق، فهذه الشخصيات غير نمطية وليست تقليدية وعادة ما تكون الأقل اكتراثاً بالروتين الصحي، وهي الأكثر انهماكاً في التعاطي والتعاطف مع هموم الناس».