مشهد صادم تناقله الروس بكثافة خلال الأيام الأخيرة، عبر شبكات التواصل الاجتماعي، لكنه لم يظهر في وسائل الإعلام الحكومية. مئات الأشخاص ينقّبون في ما بقي من «تلال» مواد غذائية أُتلِفت، بحثاً عمّا تيسّر لهم من أجبان أو بقايا خضار وفواكه، دهستها بلدوزرات لتسحقها وتحوّلها إلى معجون من خليط عجيب. هكذا «انتقمت» روسيا من مئات الأطنان من الأجبان الأوروبية الفاخرة، ومنتجات الحليب ومشتقاته، والفواكه والخضار التي شقّت طريقها إلى روسيا من الغرب، متحدّية عقوبات فرضها الروس على الشركات الأميركية والأوروبية. وزير الزراعة ألكسندر تكاتشيف اعتبر أن تلك الصيغة كانت الطريقة المثلى للتعامل مع «المواد المهرّبة»، وأنها أسلوب متّبع في الغرب، إذ لا يمكن السماح بتداول مواد غذائية لم تدخل بطريقة نظامية إلى البلاد، حرصاً على صحة المواطن. بدأ تنفيذ قرارات «الإعدام» مطلع الشهر الجاري، تطبيقاً لمرسوم رئاسي. وكان الرئيس فلاديمير بوتين تجاهل نداءات من مؤسسات اجتماعية، و «عريضة» وقّعها حوالى 300 ألف مواطن روسي، تطالب بالتراجع عن قرار إتلاف المواد المهرّبة، واستخدام المواد الغذائية المحتجزة بوسائل أكثر نفعاً للمجتمع. لكن الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف قال أن المرسوم صدر وغدا أمراً واقعاً و «قيد التنفيذ». أثارت المسألة جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والبرلمانية، ولم تسلم من انتقادات أطلقها مقربون من الكرملين. إذ ندّد بالقرار فلاديمير سوفوليوف، وهو من أبرز مقدّمي البرامج التلفزيونية ومن أشدّ المدافعين عن سياسات بوتين، وكتب متسائلاً: «كيف يمكن بلداً جرّب المجاعات وعاش حروباً كبرى أن «يعدم» ببساطة مئات الأطنان من المواد الغذائية بدلاً من أن يوزعها على الفقراء»؟ وبدا السؤال كأنه يرشّ مِلحاً على جروح ملايين الروس، إذ تشير تقديرات رسمية إلى أن حوالى 23 مليون روسي يعيشون الآن تحت خط الفقر، أي ما يعادل 16 في المئة من الروس. وللمقارنة، فإن نسبة «المعدمين» في روسيا كانت في مثل هذا الوقت من العام الماضي 11 في المئة، وفق إحصاءات الجهات ذاتها التي وضعت «تحت خط الفقر» كل من يقل دخله الشهري عن عشرة آلاف روبل (140 دولاراً). ومع الموقف المعروف للمعارضة التي سخرت من «مستوى الإنسانية الرفيع في قرار إعدام الأغذية»، كما كتب رئيس الوزراء السابق ميخائيل كاسيانوف، سارعت جهات أخرى بعد بث صور معوزين وهم يبحثون في تلال الأغذية المسحوقة عما يسدّ رمقهم، إلى المطالبة بإعادة النظر في هذا التصرف. وعلت أصوات في الكنيسة تذكّر بتعاليم الدين، بينما أعدّ الحزب الشيوعي الممثل في البرلمان لتقديم مشروع قانون يحرّم تكرار ما حدث، على رغم أن فرص المشروع تبدو ضئيلة لأنه يعارض مرسوماً رئاسياً. وغدت تداعيات المسألة حافزاً لمراكز دراسات الرأي العام، لاستطلاع أحوال الروس في ظل العقوبات التي فرضها عليهم الغرب، على خلفية الأزمة الأوكرانية. وعلى رغم أن غالبية تصل إلى نسبة 80 في المئة ما زالت تؤيد سياسات الكرملين، كان اللافت أن حوالى 40 في المئة من الروس يتوقعون «الأسوأ الذي ما زال في الطريق».