في البداية لا أضيف جديدا إن ذكرت حقيقة أنه مايزال لقلم هيكل الكثير من الوهج لدى مؤيديه وأن هذا القلم شكل عشرات الآلاف من العقول العربية في نظرتها وحكمها تجاه القضايا العربية والدولية ولست متجنيا كذلك إذا قلت أن النوازع الفردية وفشل المشروع القومي الذي نظر له هيكل ترك أثره في هذا القلم والذي أصبح أسيرا لماضٍ نحاول جميعا أن ننساه، تشعر أن هيكل مازال يحاول أن يبرر مآسي الماضي دون جدوى!في اعتقادي إن هناك مبدأين إن جازت التسمية يؤثران في تشكيل الرأي والموقف لدى الأستاذ هيكل هما: أولاً: إن طريقة التفكير والتحليل لدى هيكل محكومة بثنائيات مثل (البطل مقابل العميل) (الممانعة مقابل الاستسلام ) (التصدي مقابل الانهزام) وهكذا فالأستاذ هيكل يسقط هذه الثنائيات الجاهزة على كل القضايا والأحداث التي جرت وتجري في المنطقة ومع أنها ثنائيات يسهل فرزها للصواب والخطأ لكنها عديمة الجدوى في العلاقات الدولية التي هي أشبه بدائرة جميع من بداخلها محكومون بقوانين البقاء فيها وكل له الحق في التأثير فيها لمصلحته حسب الظروف والإمكانات أما الخروج منها والتعلق بالشعارات هو انتحار يجعل صاحبه دائما الضحية التي تتم التسويات على حسابها وهو ماحدث فعلا للعرب عندما كان لهيكل دور في صناعة القرار العربي حسب رواياته المتكررة حينها كنا ومن فرط الجهل نؤسس لمنظمة دول عدم الانحياز في وقت كان عدونا منحازا بالكامل لحليفه! تمخض ذلك عن أكبر هزيمة عسكرية واقتصادية واجتماعية ونفسية عرفها العرب في حرب النكبة عام 1967م ثانياً: ينطلق هيكل من مبدأ ضدي تجاه جميع المواقف السياسية التي تتبناها دول الخليج العربي والمملكة العربية السعودية على وجه الخصوص أكاد أجزم أن هيكل لم يتوافق طول حياته مع أي موقف سعودي حتى لوكان متفقا عليه عربيا وإسلاميا مثل وقف الحرب الأهلية في لبنان أو دعم مصر في حرب 1973أي أن هيكل يتبنى الموقف المضاد للسياسة السعودية قبل التحليل والتقييم اللذين يأتيان في مرحلة لاحقة لتبرير الرأي أو الموقف!وهذا المبدأ له علاقة بظاهرة القومية العربية بشكل مجمل التي سادت بعد الانقلابات العسكرية في مصر والعراق وسوريا وليبيا وكان هيكل أبرز منظريها والتي لديها ما أسميه (عقدة النقص) يشعر بسببها قادة القومية العربية ومنظروها بتضاؤلهم أمام الإرث التاريخي الذي يملكه رموز الملكية التقليدية العربية وتأثيره في اللاوعي الجمعي للجماهير العربية خصوصا إذا كان مسنودا بشرعية دينية ووطنية مثل ماهي عليه الملكية السعودية وبما أن الزعامة القومية بجميع مراحلها وعلى اختلاف متصدري المرحلة كانت ترتكز في خطابها الداخلي على قضيتين هما فلسطين ومهاجمة الرموز الممثله للملكية التاريخية لشعورهم أن هذه الملكية تمثل المعيار الذي يمكن من خلاله كشف عورات الأداء السياسي لقادة ومنظري القومية العربية. لذلك تكرر الهجوم على الرمزية الملكية العربية في جميع المراحل التاريخية من وجود الظاهرة القومية العربية والتي بقي المشترك فيها وجود هيكل منظرا ومؤيدا ومسوقا لمتوالية اللغة السوقيه المليئة بالشتائم (ناصر تجاه فيصل) (صدام تجاه فهد) (القذافي تجاه عبدالله)!ومن التجليات التي تثبت حقيقة (عقدة النقص الملكية ) الألقاب التي راح يطلقها القادة القوميون على أنفسهم التي لها دلالات تاريخية ودينية بل إن بعضهم ومن فرط الشعور بالدونية انتسب لآل البيت عليهم السلام، إلا أن أكثرهم طرافة وصراحة هو العقيد القذافي الذي نسف كل مصطلحات الجمهورية التي يتغنى بها القوميون لينصب نفسه ملكا للملوك وخليفة للمسلمين. وفي الأخير هناك الكثير من التناقضات والمغالطات التي لايسعنا ذكرها عند هيكل حتى في استدلالاته الفلسفية وسأورد مثالا واحدا فقط على ذلك، فهيكل يستميت نظريا في نزع القيادة العربية والإسلامية عن المملكة العربية السعودية الوطن والحضارة، ومن ثم القيادة، ليبتدع فكرة (الفيض الحضاري) مستوحيا ذلك من نظرية الفيض الفلسفية و التي يشرحها بأن الدول ذات الحضارات العريقة مثل إيران ومصر هي الأقدر على قيادة المنطقة بسبب الإرث الحضاري الذي يمكن تصديره لبقية الشعوب مع أن نظرية الفيض تقول (بنشأة الموجودات من الواحد الثابت الذي يصدر عنه الوجود من الواحد إلى الكثرة) وإذا أسقطنا هذا الكلام على الوقائع ستكون النتيجة أن الحضارة العربية الإسلامية التي ولدت من رحم شبة الجزيرة العربية هي الثابت الذي تمدد ليصل أقاصي الأرض وهذه الحضارة هي نتاج الرسالة الخالدة التي تمثل أعظم ثورة إنسانية منحازة للقيم والحقوق الإنسانية بشكل مطلق، ونؤكد هنا على احترامنا الأكيد لجميع الحضارات سواء الفارسية أو المصرية ودورهما في مسار التطور البشري.