صار الحديث عما يجري في المنطقة من أحداث متسارعة شغل الناس الشاغل، حتى فقد كثير منهم متعته القديمة بالحياة، والإقبال على ما بها من سعادة وملذات، إذ صارت الأذهان مشدودة لمتابعة مجريات الأحداث، فما نفرغ من مشكلة حتى تتفتح علينا أبواب مشكلات أخرى، وكأن العالم في طريقه للنهاية. نحن العرب، نقع في منتصف العالم، وبلداننا تطل على أهم المضائق البحرية فيه، ولم نكن «أمة وسطا» في الدين فقط، بل انعكست هذه الوسطية على سحناتنا كذلك، وأيضًا على موقعنا الجغرافي بين الأمم، لكن من يتأمل حالتنا السياسية سيجد الغرابة في هذا الوضع. احتلال العراق للكويت، ومن ثمّ احتلال الولاياتالمتحدة للعراق فيما بعد، عكس فشل السياسة العربية، وعجزها عن التصدي للخطر قبل أو أثناء أو بعد وقوعه، وكشف كلا الاحتلالين عن انهيار مدوٍ للنظام العربي، وسقوط مكشوف وعلني لشعارات القوميين العرب والوحدة العربية والدفاع المشترك والعيش المشترك، وما سواها من الشعارات التي أكل عليها الدهر وشرب، ولم تكن دولة الجماهيرية الليبية العربية الشعبية الاشتراكية العظمى كما أراد لها هذا الاسم الطويل القذافي الذي حكمها لأكثر من 40 سنة بمنأى عن هذا الحال، حيث أثبتت الأحداث التي جرت في ليبيا في بدايات مسلسل الفوضى الخلاقة التي اصطلح عليها باسم «الربيع العربي» أنها لم تصمد أمام التدخل الأجنبي المفضوح الذي أطاح بنظام الزعيم الليبي، إذ أوضحت التجارب لهذه الدولة بأن الأسلحة التي كانت تشتريها ما هي إلا «ألعاب نارية»، وعبث صبياني أشبه بلعبة «الطرطعانات» الصبيانية، وليست أسلحة عسكرية، وإذا عدنا بالذاكرة إلى الوراء وتأملنا حال الانقلابيين في سورياوالعراق ومصر الذين أطاحوا بحكومات بلدانهم المدنية بعد قيام دولة الكيان الصهيوني في 15 / مايو / 1948 م، لرأينا أن الرفاق نقلونا من هزيمة النكبة في 1948 إلى نكسة الهزيمة 1967، وقد تكون تداعيات انفصال جنوب السودان ليست بمنأى عن هذه الحالة التوصيفية، لكن الفرق بين الرفاق اليساريين والإسلاميين أن أصحاب اليسار أذاقوا شعوبهم الهزيمة تلو الهزيمة بينما الإسلاميون قسموا الوطن الواحد، وهناك من كان يسعى لتقسيم المقسّم وتجزئة المجزّأ. إن عدم مقدرة أي حكومة عربية من تلك البلدان على صون ترابها الوطني من أي خطر خارجي سببه، ولعل الأسباب كثيرة – أقول: سببه، تفككها الداخلي، الناتج عن عدم وجود أنظمة حقيقية تحدد العلاقة بين الحاكم والمحكوم، فعدم وجود مثل هذه الأجواء السياسية الداخلية ذات الهواء النقي، ولو كان نقاءً نسبياً سيجعل المواطن يدافع عن هذه المكاسب الدستورية الشعبية لا عن أنظمة حكومية، لأنه في هذه الحال سيكون مشاركًا مشاركة فعالة في السياسة، وقد ضرب الشعب التركي أروع الأمثلة في إفشاله للانقلاب العسكري، وهذا ما جعل العراق في بداية التسعينيات الميلادية من القرن الماضي يجد فرصة سانحة ومواتية له لدخول الكويت، كما أن الذين كانوا يصوتون بأرقام فلكية من أجل بقاء صدام في الحكم أثبت الواقع أن هذه النسبة لا تستحق قيمة الحبر الذي دونت فيه هذه النسبة المئوية الخرافية، ولم تكن لجان الزعيم القذافي الشعبية خارج هذه الحسبة، وذلك أن رفقاءه ووزراءه وأقرب المقربين منه انقلبوا على نظامه بين عشية وضحاها، ثم هناك عامل آخر، سببه عدم استفادة الحكومات العربية من الثنائية القطبية الموجودة في العالم زمن الستينيات والسبعينيات ومنتصف الثمانينيات الميلادية، للقيام بأعمال جبارة أو شبه جبارة، سواء كانت هذه الأعمال أعمالاً تسليحية وطنية أو أعمالاً اقتصادية تقنية، تستطيع من خلالها عبور بوابة الألفية الثالثة بسلام مستفيدة من تنازع التصارع القطبي بين الدول الكبرى.