في هذه الزاوية ستأخذنا جنان جمعاوي صحافية لبنانية خريجة الجامعة اللبنانية بدأت مشوارها المهني في صحيفة "السفير" اللبنانية، انتقلت بعدها للعمل في مؤسسات إعلامية مختلفة، قبل أن تنضم، قبل نحو 13 عاماً إلى عالم النشر في دار أنطوان هاشيت، ليصبح شغفها في القراءة هو عملها، إلى عوالم القراءة من خلال ما اطلع عليه مؤخراً وتوصي بقراءتها وهي: "يوليانا" - نزار عبد الستار كثيرة هي الروايات التي تناولت العراق -الحرب، ما قبلها وما تلاها. كانت الحرب أو الحروب دوماً حاضرة في الأدب العراقي المعاصر. لكن الأديب العراقي نزار عبد الستار، استطاع في روايته الأخّاذة "يوليانا" أن يسمو فوق الحروب والشرور والمآسي ليقدّم العراق-الإنسان بأبهى صوره. في "يوليانا" ويتراجع العراق بوصفه خبراً يتصدر نشرات الأخبار حيث عداد الموت يتك مثل ساعة منتظمة ليقدم لنا الهراق بوصفه توقاً للحياة وتجسيد الضمير حيث الحب بأسمى أشكاله والإيمان بقدرة الخير، في هذه الرواية، التي استهلكت 17 عاماً من عمر المؤلف انهمك فيها بالتعديل والإضافة والحذف على الرواية، وكان يروي بعينه الثاقبة وقلمه اللمّاح الساخر، قصة مدينة صغيرة منسية وجيلين. بين الملحمي والديني والدنيوي، وبين التاريخ والأسطورة، يشرّح صاحب رواية "فورور" عراق البارحة وعراق اليوم، ليخلص إلى أن الإيمان والتسامح والنقاء الفطري فعل إنساني ليس بحاجة إلى قداسة، وأن الله ليس بحاجة لمن يرتكب الفظاعات باسمه ليسود ملكوته. "الرجل الذي حسب زوجته قبعة" * أوليفر ساكس عندما نصحني صديق عزيز بهذا الكتاب، قبل سنوات عديدة، لم أتصوّر أن "الرجل الذي حسب زوجته قبعة" سيصبح كتاباً أعود إليه مراراً في مراحل حياتي. أوليفر ساكس طبيب أعصاب بريطاني، عاين حالات تفوق قدرتنا على الخيال، لمرضى مصابين بأمراض عصبية غريبة جداً. ولأن "العقل أكثر شيء مدهش في العالم"، كما يقول ساكس، فإنه يتعامل مع الأزمات والصدمات والأمراض العصبية والنفسية بطريقة مدهشة لطالما سحرتني. في هذا الكتاب، سنقرأ عن رجل يدرك أجزاء الشيء الماثل أمامه ولكنه عاجز عن التعرّف على الشيء ككل، بما في ذلك الوجوه، وهكذا كان يحسب القبعة.. زوجته. نقرأ عن أشخاص لا يتعرّفون على أعضاء من جسمهم، كأن يظن أحدهم أن ساقه ليست له. نقرأ عن سيدة تعيش نصف حياة.. حرفياً. تأكل نصف طبقها، تسرّح نصف شعرها، تزيّن نصف وجهها، لأن النصف الآخر غائب عن إدراكها. هذا كتاب تحفة، لمن ينظر الى الحياة والخَلق بدهشة، ويعرف قيمة النعم التي منحنا الله إياها. "نهاية الصحراء" - سعيد خطيبي ما أحبهّ في الكاتب الجزائري سعيد خطيبي، هو أنه يمنحني في رواياته، سواء "نهاية" الصحراء" أو أحدث رواياته "أغالب مجرى النهر"، ما أحبه حالياً (في سن الرشد) أي "الأدب الخالص" سواء من حيث اللغة (التي تتركك في حالة من التفكّر) أو التشريح الدقيق للنفس البشرية، وما أحببته في سن المراهقة "الأدب البوليسي". في كلا روايتيه، يوقع خطيبي القارئ في غواية الحبكة البوليسية، ثم يتركه لوحده يتلمس طريقه في مدن جزائرية مثقلة بالتاريخ العنيف أحياناً، والذاكرة المعطوبة، المحكومة بالجهل وسطوة العرف أحياناً كثيرة. لا تعود الحبكة البوليسية هي الأساس، ولا التاريخ ولا السياسة ولا الفاعلين فيها، وإنما في أولئك الهامشيين الذين تسحقهم السياسة. في كلا روايتيه، لا يخوض خطيبي في الأزمة الجزائرية، وإنما في حوافها، حيث تعيش شخصيات هامشه هشة مسحوقة مضغوطة منهكة، تمتص على مدى سنوات، العنف الممارس عليها سواء من قبل الأفراد أو المجتمع أو الوطن، لتستحيل هذه الشخصيات المقهورة على هيئة معنّفها وقاهرها. "الحالة الحرجة للمدعو ك." * عزيز محمد العبث، هو الانطباع الذي ستخرج به عند الانتهاء من قراءة هذه الرواية البديعة. بدقة بالغة، وأسلوب ساخر ساحر يسجّل الكاتب في روايته الأولى هذه، التحولات التي تطرأ على حالة المدعو ك. الشاب العشريني الذي اختار النأي بنفسه عن "جحيم الآخرين"، قبل أن يكتشف إصابته بمرض السرطان. ببلاغة آسرة يصف لنا أطوار الألم، جسدياً كان أم نفسياً، الذي يشعر به بطله ك.، "فلا يدرك أي منهما يشحذ الآخر". مرض السرطان الذي يفتك بالمدعو ك. يتماهى عند عزيز محمد إلى حد كبير مع مرض الاستهلاك والرأسمالية وانعدام الخصوصية الفردية الذي يفتك بمجتمعاتنا. "ثلاثية الكاتبة المجرية الدفتر الكبير، البرهان، الكذبة الثالثة" - أغوتا كريستوف: عندما اكتشفت أغوتا كريستوف لأول مرة لم أكن قد سمعت بالثلاثية. لذا قرأت "الكذبة الثالثة" أولاً.. وهي من المفترض أن تأتي أخيراً في ترتيب هذه الثلاثية. لا أزال أذكر أنني أغلقت الصفحة الأخيرة من الكتاب، وبكيت بمرارة وحرقة (طوال اليوم). فهمت يومها أن ثمة أجزاء غير مفهومة فيما قرأت (طبعاً استوى الفهم لاحقاً عندما قرأت الجزأين الآخرين) ومع ذلك بقيت نوفيلا "الكذبة الثالثة" من أكثر الكتب تأثيراً في نفسي، لأسباب عديدة: لعلها اللغة الطفولية العفوية الفطرية التي وسمت كتابات كريستوف جميعها، أو ربما الإحساس بالظلم والعجز حيال القسوة التي عاشها التوءمان في هذه الثلاثية، أو ربما تعاطفا مع كريستوف التي قاومت فقدانها لهويتها بالكتابة، ولو بلغة تجهلها. جنان جمعاوي