الخناق الدعاوي والتحريضي يطبق على رئيس السلطة الفلسطينية، رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، رئيس اللجنة المركزية ل «فتح»، محمود عباس. وذريعة الحملة على عباس هي موافقته على إرجاء الاقتراع على تقرير القاضي ريتشارد غولدستون الى مجلس الأممالمتحدة لحقوق الإنسان، ستة أشهر، وتخليصه إسرائيل عملياً من إدانة محققة. فالتقرير العتيد الذي توج «تقصي الحقائق عن حرب غزة» (أواخر 2008 – مطلع 2009) خلص الى تهمة طرفي الحرب، الجيش الإسرائيلي و «حركة المقاومة الإسلامية» (حماس) بارتكاب جرائم حرب وجرائم في حق الإنسانية. وحملت «حماس»، ومن ورائها الصف العروبي – الإسلامي، الإدانة، ولو المزدوجة، على فرصة – كان ليصدق وصفها ب «الذهبية» لولا بذاءة الصفة في هذا المعرض – لا تعوض، وتدعو الى التنديد العنيف بالعمليات الإسرائيلية في اثناء الأسابيع الثلاثة الدامية. والحق ان معالجة «حماس» و «حزبها» العروبي – الإسلامي مسألة تقرير غلادستون لا تقتصر على وجه الحادثة الدعاوي والخطابي، التشهيري والمحلي. فمهاجمة اسماعيل هنية «سحب» تقرير غلادستون (وهو إرجاء وليس سحباً) بألفاظ قاسية ونابية مثل القول ان الإرجاء «يتاجر بدماء الأطفال والنساء في غزة وشجع على اقتحام الأقصى، ويشجع على ارتكاب المزيد من الجرائم»، هي من الأمور المعتادة في المناقشات والمطارحات العروبية – الإسلامية، وجزء من الحروب الأهلية الكلامية الباردة والحارة التي تخوضها فصائل حركات التحرر الوطني والحضاري بعضها على بعض. ولكن المعالجة الخطابية لا تتستر على الغرض منها. والغرض هو «إزاحة» محمود عباس «عن مسرح الفعل الفلسطيني»، على قول هنية نفسه، وذلك على المدى القريب أو المتوسط. ويستعجل الطلب الى مصر «تأجيل توقيع اتفاق المصالحة بين الفصائل الفلسطينية»، على قول النائب الحمساوي الآخر، صلاح البردويل. ويريد البردويل مقايضة تأجيل بتأجيل: فالأول، تأجيل عباس، «صهيواميركي» (هنية)، والثاني فلسطيني – عربي – إسلامي. وإزاحة محمود عباس عن «الفعل» الفلسطيني المفترض كانت الغاية من حرب غزة. وهذه الحرب مهدت «حماس»، ومعها «الجهاد الإسلامي» الطريق إليها، وتوقعتها، ودعت القوات الإسرائيلية دعوة حثيثة الى خوضها على النحو الذي خاضتها عليه، ويدينه اليوم ريتشارد غلادستون إدانة عادلة ولا يعروها غبار قانوني. فلم يكن أحد، لا في غزة ولا في طهرانودمشق وتل أبيب، يجهل ان «هدنة» الصواريخ المتطاولة والمتجددة منذ خطف جلعاد شاليت، إنما هي مقدمة معلقة ومرجأة لاندلاع «حرب» جديدة على شاكلة الحروب، أو «العمليات»، بين القوات الإسرائيلية وبين الحركات الأهلية والإسلامية المسلمة. وميزة الحروب هذه أو فضيلتها – وهي اختبرت طويلاً في لبنان غداة الهزيمة الفلسطينية والعروبية فيه، ثم في فلسطين ولبنان غداة الانسحاب الإسرائيلي المزدوج وانتفاضة الأقصى – هي كونها غير متكافئة. وفي الحرب غير المتكافئة هذه يسع الطرف «الضعيف» ابتداء الحرب والعدوان، أو استجرارهما، والانقلاب ضحية رد «القوي» المدمر، وتحميل «القوي» المسؤولية الأخلاقية عن نتائج الرد المفرط. ويسعه، من وجه آخر، حمل الدمار والقتل على آيات انتصار محقق، معنوي وسياسي وحقوقي، يمحو المسؤولية عن المبادرة، مادياً وقانونياً، الى انفجار القتال. ويخرج الطرف «الضعيف»، والمبادر الى الحرب غير المتكافئة، منتصراً سياسياً وأخلاقياً، في الأحوال كلها، بما فيها حال إدانته هو كذلك بارتكاب جرائم حرب وجرائم في حق الإنسانية. وانتصاره السياسي مزدوج: فهو يبعث تضامن الأمم والشعوب الضعيفة («المستضعفة» أو «البروليتارية» في لغة أحد ملهمي «الثورة الثقافية» الصينية، الماريشال لين بياو) معه، وانحيازها إليه، والإغضاء عنه، ويشق الرأي العام في مجتمعات الدول الغربية الديموقراطية، أولاً. وهو يخير الشريك الأهلي والوطني المفترض، ومتولي السلطة على ما هي حال محمود عباس و «فريقه»، بين الالتحاق به، والتسليم لسياسته، مهما كان ميزان النزاع السياسي والانتخابي، وبين وصمة الانحياز الى العدو «الصهيو اميركي»، والاحتماء به، ومواطأته، ثانياً. ولا ريب في ان حرب غزة، وتداعياتها الى اليوم، كانت إنجازاً سياسياً ديبلوماسياً ودعاوياً إيرانياً و «إسلامياً» بارعاً، أفاض المعلقون والمراقبون في مديحه، محقين ومصيبين. وهي، شأن «حزب الله» كله وحربه في صيف 2006 على الأخص، من ثمرات استراتيجية التخندق الإيراني الخميني والحرسي بالانقسامات الأهلية والمذهبية العربية والإسلامية في وجه الغرب الأوروبي – الأميركي، وحروبه الإقليمية وغير المتكافئة على الجماعات الإرهابية ودول المساندة الجزئية أو الكلية. و «واقعة» تقرير غلادستون هي ذيل أخير، موقتاً، من ذيول حرب «حماس» على محمود عباس ونهجه. وهي تلي «واقعة» المعتقلين الحمساويين في سجون السلطة بالضفة الغربية. وعلى نحو ما اضطلع المعتقلون، وهم مقاتلون وناشطون يقاتلون السلطة بالسلاح والاغتيال والتحريض والمال، بإرجاء مصالحة المنظمات الفلسطينية بعد حرب غزة، وتعقيد المصالحة. ويضطلع تقرير غلادستون اليوم بالمهمة نفسها. وتغتنم قيادة الداخل في «حماس» الفرصة، هذه المرة، وتتقدم مهاجمي محمود عباس. وفي الأثناء، تخفض قيادة الخارج، بدمشق، الصوت قليلاً. وهي اضطرت الى زيارة القاهرة مرات، في الأسابيع الأخيرة، وتليين رفضها المصالحة، والعودة عن رفضها إجراء الانتخابات الأخيرة في النصف الأول من 2010 خشية بعض الانعطاف في مواقف الفلسطينيين من السياستين المتنازعتين، وبعض الميل إلى اعتدال عباس و «ضعفه». واستجابة «قيادة دمشق» المساعي المصرية صدى لاضطرار الساسة السوريين الى محاورة القاهرة، جزءاً من المصالحات العربية وتوحيد «الصف» وعودة الرئيس السوري إليه، وإلى المساعي والمساعدات الدولية. والسياق هذا كله، على رغم تواضعه وغلبة عثراته على إنجازاته في فلسطين ولبنان والعراق، يدعو طهران، وحليفيها القطري والسوري، الى التمهل. فمصالحة الفلسطينيين أو فريقيهما البارزين، على عسر مخاضها، تكذب معظم المقدمات التي نشأت عنها حرب غزة، واستقوت بها السياستان الإيرانية والسورية، وملحقهما القطري. وقد تقود الخريطة المصرية الى إحياء حركة وطنية واستقلالية فلسطينية، على ما تمنى مراقبون غربيون غير بعيدين من بعض دوائر الديبلوماسية الأميركية الجديدة. وتجدد حركة تحرر فلسطينية يؤدي، عاجلاً أم آجلاً، الى مداواة الانقسامات الأهلية، وتقديم برنامج وطني «انعزالي» (لبنان أولاً، العراق أولاً، الأردن أولاً، إيران أولاً...) على برنامج إقليمي. ويقتضي البرنامج الإقليمي التشكيك في المقومات الوطنية واستقلالها الجزئي عن السياسات الإقليمية، والتوسل بالمنازعات الأهلية الى الحؤول دون استقرار دول وطنية، ومجتمعات فاعلة. فما يدعى إليه محمود عباس، من طريقٍ مراوغة وخبيثة، هو مساندة «حماس» على السلطة الفلسطينية وأنصارها. * كاتب لبناني.