أجرى الرئيس المكلف تشكيل الحكومة سعد الحريري جولة ثانية من التشاور مع رئيس الجمهورية ميشال سليمان حول الصيغة الحكومية المقبلة وحصيلة الاتصالات والأفكار التي توصل إليها كل منهما في اتصالاته العلنية والبعيدة من الأضواء حول تأليف الحكومة. وفيما لخص وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير ما يعوق إنجاز الحكومة العتيدة، بعد لقائه رئيس «تكتل التغيير والإصلاح» العماد ميشال عون صباح أمس قبل توجهه الى دمشق، بأمرين هما «مطلب الثلث المعطل والطائفية في لبنان»، لفت الرئيس الحريري، بعد اجتماعه بالرئيس سليمان الى أن «يداً وحدها لا يمكن أن تصفق ونحن لا نريد أن تكون هناك يد تلوي اليد الأخرى»، في إشارة مبطنة الى المطالب التي طرحت عليه من قبل أطراف في المعارضة، خصوصاً أنه قال إنه على «خط واحد بخصوص هذا الموضوع» مع رئيس الجمهورية. وفيما جاءت زيارة الحريري لسليمان بعد مضي أسبوعين على تكليفه تشكيل الحكومة، فإن مصادر سياسية لاحظت أنه يركز في تصريحاته على عنصر الوقت، إذ قال بعدما أكد أهمية حكومة وحدة وطنية، إنها ستولد «في وقتها». وذكرت هذه المصادر أن الحديث عن عنصر الوقت يعني أن عملية التأليف تحتاج الى بعض الانتظار، في شكل يوحي بالحاجة الى ترقب تحريك الاتصالات الإقليمية التي تتناول الوضع اللبناني والوضع في المنطقة، لا سيما الاتصالات السعودية - السورية. إلا أن المصادر نفسها أكدت ل «الحياة» أن التأخير في تأليف الحكومة لا يخرج عن سياق التفاهمات الخارجية، بل هو يأتي في سياقها وبالتالي فإن الأمور ممسوكة ولهذا السبب تستمر مواقف جميع الفرقاء هادئة، تعتمد اللهجة التوافقية الراغبة في التوصل الى تسوية حول تأليف الحكومة وتتجنب التمسك بشروط سبق أن طُرحت. ومن هنا استمرار الحريري في اعتماد لغة التقارب بقوله: «لا نريد أن تكون هناك يد تلوي اليد الأخرى» قاصداً بذلك أن الأكثرية لا تعمل على الضغط على المعارضة، ولا تريد أن تضغط المعارضة عليها. وتوقعت مصادر مواكبة للمشاورات الجارية حول التأليف أن يواصل الحريري اللقاءات والاتصالات مع أطراف في المعارضة خلال الأيام المقبلة. وعلمت «الحياة» أن الحريري عكف خلال الأسبوع الماضي، وسط التكتم المستمر على هذه الاتصالات، على عقد اجتماعات داخلية غير معلنة مع فريق من مستشاريه ومن الخبراء، لدراسة الكثير من الملفات الاقتصادية والاجتماعية والمالية، بموازاة اللقاءات التي عقدها مع ممثلي النقابات وهيئات المجتمع المدني. وشملت هذه الملفات قطاعات عدة منها الكهرباء، الضمان الاجتماعي وصعوباته المالية، تنشيط الدورة الاقتصادية في المناطق النائية والفقيرة والزراعية مثل بعلبك - الهرمل وعكار والجنوب، تطبيق إصلاحات باريس - 3 وفقاً لجدولة الأولويات في هذا الصدد، إضافة الى وضع الإدارات التي تحتاج الى إعادة نظر في أوضاعها ومنها المجالس والصناديق. وإذ تكتمت المصادر المعنية على ما تم التوصل إليه من مشاريع خطط، فإن دراسة أوضاع عدد من القطاعات هدفه التحضير لأفكار تطرح على الحكومة المقبلة، استناداً الى خطط جديدة أو الى تعديلات على خطط سبق أن وُضعت في شأنها. وقالت مصادر مراقبة أن الانطباع السائد أن لعبة الانتظار القائمة، للأجواء الإقليمية في تأليف الحكومة، تشمل أيضاً انتظار كل من الفرقاء المحليين خطوة الآخر تجاهه، فالرئيس المكلف بعدما استمع الى مطالب المعارضة إما بالنسبية أو بالثلث الضامن وأطلعها على رأيه بحكومة تقوم على 16 للأكثرية و10 للمعارضة و4 لرئيس الجمهورية، ينتظر أن يطرح المعارضون أفكاراً إضافية حول توزيع جديد للحصص وحول الحقائب والأسماء، فيما تنتظر المعارضة أن يطرح الحريري أفكاراً بديلة من التي طرحها في اجتماعه الأول مع الأمين العام ل «حزب الله» السيد حسن نصر الله وسائر قادة المعارضة والتي تستبعد الثلث المعطل وإعطاء الأكثرية النصف + 1. وأشارت المصادر الى أن كل فريق ينتظر من الآخر أن يقدم الاقتراحات ليكون هو في موقع التعليق عليها، أي يأمل بأن يقدم غيره التنازل ليبني على الشيء مقتضاه. لكن المصادر المطلعة أكدت ل «الحياة» أن المعلومات المتوافرة تشير الى أن فكرة جعل الضمانة في توزيع الحصص عند رئيس الجمهورية، بحيث تكون حصته 5 وزراء و15 للأكثرية و10 للمعارضة، بينهم وزير شيعي يختاره بالتفاهم مع «حزب الله» وحركة «أمل» ويكون «الوزير الملك» الذي يؤمن الثلث الضامن لفريق 8 آذار، لم تعد تلقى استحساناً، خصوصاً لدى رئيس الجمهورية، وأن الضمانة البديلة للثلث المعطل في الحكومة تكون بالاتفاق المسبق مع الرئيس سليمان على أن الأمور الأساسية التي تهم «حزب الله» والمقاومة والتي تتعلق بأمن الأخيرة أو التي تتعلق بالسياسة الخارجية المرتبطة بالمقاومة لا تطرح على التصويت داخل مجلس الوزراء إلا بعد الاتفاق عليها من قبل سليمان مع «حزب الله»، من دون أن يحول ذلك دون اللجوء الى التصويت في هذه الأمور أو في غيرها من القضايا العادية التي لا تمس مباشرة أمن المقاومة أو أهدافها، في السياسة الخارجية. وعليه فإن المصادر نفسها تتحدث عن إمكان اختيار الرئيس سليمان شخصية شيعية حيادية في حصته. وفي هذا السياق أوضحت المصادر نفسها أن رفض بعض المعارضة، لا سيما زعيم «التيار الوطني الحر»، جعل الضمانة عند رئيس الجمهورية عبر حصوله على حصة وزارية وازنة، يخالف قيام أطراف أخرى في المعارضة بالتواصل مع الرئيس سليمان للتفاهم معه على ما وُصف بالضمانات حول العمل الحكومي المقبل، لا سيما من قبل قيادة «حزب الله»، فضلاً عن رئيس البرلمان نبيه بري. وأضافت المصادر أنه يبدو أن هناك تسليماً بأن تبقى وزارتا الدفاع والداخلية من حصة رئيس الجمهورية وأن يتولاهما الوزيران الحاليان، إلياس المر للأولى وزياد بارود للثانية.