اختلطت أمس، دموع أمهات شهداء الجيش اللبناني والصليب الأحمر اللبناني، مع دعائهن الى الجنود الذين راحوا يمرون أمامهن بپ"الله يحميكم ومبروك انتصاركم"، في الاحتفال الذي أرادته قيادة الجيش تكريماً لشهداء معارك مخيم نهر البارد في شمال لبنان والذين بلغ عددهم 170 شهيداً وقبلهم لشهداء الجيش الذين سقطوا نتيجة العدوان الإسرائيلي على لبنان في تموز يوليو 2006. في مجمع فؤاد شهاب الرياضي في جونيه، استدعي أهالي الشهداء من مقاعدهم الى الملعب لتسلم دروع تكريمية لأبنائهم الشهداء الذين راحت أسماؤهم تُتلى على العلن. فوقفت نساء منقبات الى جانب أخريات سافرات، وحمل الأجداد أحفاداً تيتموا ليشهدوا على تضحيات آبائهم كما وقف كهول انحنت أكتافهم حزنا الى جانب آباء متقاعدين من الجيش دفع أبناؤهم الضريبة عنهم. الاحتفال الذي رعاه قائد الجيش اللبناني العماد ميشال سليمان وكانت له فيه كلمة سجل فيها مواقف سياسية، حضره نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع الياس المر، ووزير الداخلية حسن السبع، وكبار ضباط المؤسسات العسكرية والملحقون العسكريون العرب والأجانب، ومسؤولين في"يونيفيل"والقضاء. كما حضر من السلك الديبلوماسي: السفير الأميركي جيفري فيلتمان، سفير المجموعة الأوروبية باتريك لوران، السفير السعودي عبد العزيز خوجه، السفير المصري احمد البديوي، والقائم بالأعمال الفرنسي اندريه باران، وفاعليات. النشيد الوطني ولحن الموت، وأكاليل زهر وضعها المر والعماد سليمان على النصب التذكاري لشهداء الجيش، ثم دقيقة صمت عن أرواحهم، وتوزيع الأوسمة على قادة الوحدات المشاركة في معارك نهر البارد، والدروع والكتيّبات على أهالي وذوي الشهداء مع قراءة أسمائهم بدءاً بالضباط القادة وصولاً الى العناصر بحسب الرتب العسكرية، ثم كلمة لذوي الشهداء ألقاها الدكتور ضاهر ابو غزالة والد الملازم الأول الشهيد روي أبو غزالة، قال فيها:"غابت أجسادكم، أيها الشهداء الأبرار، أما نهجكم فباق لا يزول، النهج مستمر. الأرزة لا تهوي، الرمز دائم، ثقوا بأن أحلامكم ستتحقق ما دام هناك شعب يصرخ، وبصوت واحد: لن نرضى بعد تضحياتكم أن تبقى مؤسستكم مفتقرة الى السلاح والذخيرة، إذ لا يجوز ان يبقى الدعم كلاماً لأن كل نقطة دم سقطت وتسقط من أجسادكم لا تقدر بثمن". كلمة قائد الجيش واستذكر العماد سليمان في كلمته"ونحن نكرم شهداء الوطن، شهداء الأمس، ضحايا الغدر والإجرام اللذين لم يميزا بين نائب الأمة وأبنائها، إذ قضى النائب انطوان غانم وكوكبة من اللبنانيين على مذبح حرية لبنان واستقراره". وأكد"ان اليد الآثمة هذه لن تبقى طليقة وستنال جزاءها العادل لا محالة". واعتبر ان"الثاني من أيلول، محطة تاريخية مشرقة في حياة الوطن، إذ تحقق الوعد الذي قطعه الجيش أمام الشعب اللبناني، انتصاراً لكرامته ووفاء لدماء الشهداء، وذلك بالقضاء على اكبر تنظيم إرهابي عرفه لبنان، دأب على التخطيط والتحضير لإقامة إمارة خاصة به في الشمال، والانطلاق منها لتقويض أسس الكيان اللبناني والنيل من صيغته الفريدة، ولم يكن من السهولة بمكان لهذا الإنجاز الكبير أن يبصر النور، لولا وحدة الجيش وتماسكه، وايمان العسكريين بقضيتهم، وشجاعتهم وتفانيهم في أداء الواجب العسكري، وتقديمهم الدماء من دون حساب، حفاظاً على السيادة والكرامة الوطنية، ولولا أيضاً الإجماع الرسمي والشعبي على دور الجيش، مكللاً بالاحتضان المعنوي والمؤازرة العملية المستمرة، من جانب وزير الدفاع الياس المر، والتفاف اللبنانيين بمختلف انتماءاتهم الطائفية والمذهبية والمناطقية حوله، في مشهد وطني رائع لم يسبق له مثيل، الى جانب الدعم الفوري من الدول الصديقة المناهضة للإرهاب والمحبة للسلام". التعاون الفلسطيني وشدد العماد سليمان على"ان العبرة المستقاة من هذه التجربة، تكمن أولاً وآخراً في أهمية الحفاظ على الوحدة الوطنية"، منوهاً ب"مستويات التعاون التي أظهرها الأخوة الفلسطينيون، من خلال تأييدهم الجيش في معركته ضد الإرهاب، ومشاطرتهم أبناء عكار والشمال بصبر ومسؤولية عالية، ما لحق بالجميع من خسائر مادية وبشرية، الى جانب مبادرتهم تسليم الجيش إرهابيين فارين، مؤكدين بذلك تصميمهم على عدم السماح بجعل المخيمات ملاذاً لتكوين حالات إرهابية مماثلة". ورأى ان"المرحلة اليوم تقتضي منا جميعاً رص الصفوف والعمل بكل السبل في اتجاه تحصين وحدتنا الداخلية، الكفيلة بمواجهة كل المخاطر والتحديات المحدقة بالوطن، وهذا لا يكون إلا بإدراك معنى رسالة لبنان، وبتحمل الجميع مسؤولياتهم الوطنية والارتقاء من المصالح الذاتية والآنية، الى مصلحة الوطن العليا، والتزام القيم والمفاهيم الإنسانية قولاً وممارسة، وفي مقدمتها الديموقراطية والحرية والعدالة والمساواة". وقال:"إن الإنجاز الذي حققه الجيش، لا تقتصر أهميته على النتائج الميدانية فحسب، بل تتعدى ذلك في الجوهر الى أداء الجيش الذي قاتلت وحداته العسكرية بشرف وانضباط كلي، وبالتزام قانون النزاعات المسلحة وسائر المواثيق التي ترعى حقوق الانسان التزاماً دقيقاً، وهذا ما تجلى في الحرص على أرواح المدنيين اللبنانيين والفلسطينيين، وفي إجلاء عائلات المسلحين، وفي تكرار النداءات الموجهة لهؤلاء بوجوب تسليم أنفسهم، مع الوعد بمحاكمة عادلة أمام القضاء، للتأكيد ان هدف الجيش هو إحقاق الحق وليس الثأر والانتقام". وإذ أعرب عن فخره واعتزازه"بالنجاح المؤزر في الحرب على الإرهاب"، ودعا"العسكريين جميعاً، الجرحى منهم والذين شاركوا في ساحة القتال، أو كانوا في المواقع الأخرى الى مواصلة الطريق نفسه بكل عزم وحماس واندفاع". واعتبر ان"وقفة الشعب اللبناني الوطنية الشجاعة الى جانب الجيش، ودعمه له معنوياً ومادياً، واحتفاءه بجنوده العائدين من ميدان التضحية والفداء، أمانة في أعناقنا تحتم علينا اكثر من أي وقت مضى، مسؤولية بذل المستحيل في سبيل الحفاظ على أمنك واستقرارك، وضمان حقك الثابت في العيش بكرامة وحرية وأمان". وعاهد"كل مواطن بأن تبقى المؤسسة العسكرية حصن لبنان المنيع وصمام أمنه واستقراره والصخرة الصلبة التي تتحطم عليها كل الفتن والمؤامرات".