إذا انشغلنا بالمعركة وأرجانا قضايا المجتمع حتى ننتصر كتبنا على أنفسنا الهزيمة، لأننا بذلك نصنع صنع إنسان له مريض يهتم بإعطائه الدواء ويؤجل مسألة تغذيته إلى ما بعد شفائه أما المجتمع العربي فإن علينا أن نتبين ملامحه كما تبينا ملامح الأديب. وأول ما يميز هذا المجتمع اليوم أنه مجتمع في معركة، أو لنقل إنه مجتمع معركة لأن هذه المعركة تؤثر في اتجاهاته ودوافعه وحياته جميعا، فهو متلبس بها مدفوع إليها واقع فيها. ولا خلاص له منها إلا بأن يواجهها مواجهة كاملة ويفرغ منها. وإنما يجد الأديب بين يديه مجتمعا في حالة خطر وذلك يغير رسالة الفكر ويلونها ويجعلها رسالة خاصة في ظروف خاصة. وأحسب أن في موقفنا الفكري خطأين اثنين: (الخطأ الأول) أننا في استعدادنا للمعركة ننسى أن علينا خلال ذلك أن نبني المجتمع في الوقت نفسه. فإن خوص المعركة وبناء المجتمع عمليتان مترابطتان لا يصح أن نقدم أيا منها على الأخرى. فإذا انشغلنا بالمعركة وأرجانا قضايا المجتمع حتى ننتصر كتبنا على أنفسنا الهزيمة لا سمح الله، لأننا بذلك نصنع صنع إنسان له مربض يهتم بإعطائه الدواء ويؤجل مسألة تغذيته إلى ما بعد شفائه، فإن المريض يموت ولا ينفع فيه الدواء. والخطأ (الثاني) في موقفنا أننا نكل التخطيط للمعركة للجيش وحده تاركين هيئة المجتمع معزولة مشلولة، فالأديب يتصايح وحده فلا ينتفع برأيه أحد. ورجل العلم يتيه ويشرح وحده فلا يصغي إليه أحد. ورجل الدين والأخلاق يحتج ويوجه دونما سميع ولا مجيب والمهندس والمحامي والطبيب لا يستشارون في شيء. وذلك خطأ جسيم تداركه عدونا في فلسطين حيث تتعاون أجهزة الدولة كلها في مواجهة المعركة، ولذلك غلبونا في حزيران. إن لهم ذهنا علميا فلا ينبغي أن نواجههم بذهن عامي. وبعد، فيبدو لي أن في المجتمع العربي اليوم مجموعة ظواهر فكرية خطيرة ينبغي للأديب أن ينبه إليها في سبيل بناء هذا المجتمع، وسأستعرض من هذه الظواهر (الظاهرة الأولى) ومضمونها أن المثل والأفكار الاجتماعية لا ترد المجتمع على شكل قيم يراد فحصها وتبينها وإنما تداهمه مداهمة التيّار العنيف الجارف، فتنزل بنا الفكرة الجديدة كما يتحدر السيل الدافق من قمة الجبل إلى الوديان المجاورة مندفعا يجرف أمامه كل شيء لا يبقي ولا يذر. والتيار، كل تيار ذو طبيعة هوجاء لا تعرف الاستقامة ولا المرونة، فإذا غمرتنا الأفكار باندفاعها كمن فيها معنى الطغيان، فهي تشل الفكر وتخدر النفس، واذا طغت الأفكار على المجتمع وسلبته قدرة التفكير فقد شخصيته وحيويته فاذا أردنا تبسيط هذا المعنى قلنا إن الناس أصبحوا يواجهون الأفكار الأدبية والاجتماعية مواجهة الأشل أو المنوم. تراه يصدق كل ما يرى ويتقبل كل ما يسمع، ويسلك سلوك من لا إرادة له. والمواطن العربي لم يعد منقادًا لطبيعته الإنسانية، لأن الفطرة السليمة تفرض على الإنسان أن يتساءل عن أسباب الأشياء التي يقدم عليها. 1961* * شاعرة وكاتبة عراقية «1923-2007»