بعد تعرضك للحكمة يصبح واضحًا أن هناك تعارضًا فلسفيًّا أصيلًا بينها وبين الشعر، على اعتبار أن الشعر لا يتناول المعدل ولا الوسط الفلسفي ولا نقطة النهاية في التجربة، وإنما شأنه أن يتناول الحالات الفردية في مستواها العاطفي فهو يصور التجربة خلال وقوعها تاركًا التلخيص والاستنتاج للفلسفة وعلم النفس. إننا في الشعر في صدد حياة تعاش ويصورها الشاعر بحدتها ولذعها خلال وقوعها. والشعر على هذا هو المرحلة السابقة للحكمة أو أنه حكمة في طور التكون، ومغزى لم يتخذ شكلًا بعد. بعد هذا كله سيلوح غريبًا بعض الغرابة أن أبو ماضي بدأ حياته بشعر التجربة وانتهى بشعر الحكمة ناكصًا إلى أساليب الشعر العربي القديم الذي لم يصور عواطف الفرد، وإنما نظر دالًا إلى منفعة المجموع - والحكمة في الأصل نظرة جماعة لا نظرة فرد - ولعله ليس خافيًا أن التجديد في الشكل على الوجه الذي أحدثه أبو ماضي لا يلائم شعر الحكمة السائب الذي يرتكز إلى وحدة البيت على جاري العادة العربية. ومن ثم فإن ديوان «الخمائل» يمثل نكصة كاملة إلى الوراء سواء من ناحية الشكل أم من ناحية المضمون. ونأتي إلى الخصائص التي تميز شعر أبو ماضي فنجد أبرزها ذهنية الاتجاه أو الميل إلى التفكير عبر القصائد. إن القصيدة عنده فكرة قبل كل شيء، والعاطفة بإزائها ثانوية تمامًا حتى أننا لنفتقد شعر الحب في ديوان «الجداول» افتقادًا شبه تام. وخير مثال لغلبة الفكرة على هذا الشعر القصيدة الطويلة المشهورة «الطلاسم» وفي دواوينه أمثلة كثيرة لا نحتاج إلى تعدادها في هذا السياق. وإذا أردنا أن نغربل الأفكار في شعر أبو ماضي لنشخص الملامح الرئيسية لذهنه العمري فنجد هناك خاصيتين تغلبان على كل ما عداهما حتى ليمكن أن تعدهما الخلفية الرئيسية لذهنه، وهاتان الخاصيتان هما القطعية والمثالية، وسنقف عند كل منها وقفة قصيرة. أما القطعية فنحن نلمحها في مواضع كثيرة نذكر منها موقف الشاعر في القصيدة ذات العنوان التقليدي «يا نفس» من مختلف شؤون الحياة، فهو إنما يأبى أن يشارك الناس كؤوسهم وشرابهم لأنه يحكم حكما قاطعا نهائيا بأن (موج السنين سيغمر الأقداح والحاسي). ومثل ذلك موقف الشاعر من موكب البطل الذي يهتف له الناس كلهم فإن الشاعر يحكم بكفة واحدة ان «هذا قاتل الناس». ولعلنا أن نعجب بمثل هذه القدرة على رؤية الأشياء من زاوية واحدة دونما قلق ولا وسواس، فليس أيسر علينا نحن المتوسطين والطبيعيين من الناس، من أن نقتنع بوجهات متضادة متضاربة فلا ندري إلى أين نتجه وماذا نقرر.. إننا تتأرجح بين هذه الفكرة وتلك، منساقين وراء حماس مبهم يكمن فينا بأن في كل منها جانبًا من الحقيقة ولو صغيرًا. وليس هذا التأرجح إلا مظهرا أكيدا لإنسانيتنا التي يبقى الضعف أحد خواصها، هذا فضلا عن أن الحقيقة نفسها تملك في أغلب الأحيان أوجها متعددة متناقضة، في كل منها إمكانيات تبرر وقوعه وصدقه. وهذا هو السر في أن الحقيقة تستطيع أن تحيرنا وتبلبل ثقتنا فتكمن لنا هنا وهناك، وتحرمنا الاستقرار والقدرة على الاختيار. أما شاعرنا أبو ماضي فهو نموذج نادر المثيل لإنسان يستطيع الإيمان بجهة واحدة من جهات الحقيقة يرفض كل ما عداها، وفي وسعنا أن نورد أمثلة كثيرة من شعره تدل على هذه القطعية في التفكير والعناد الصارم في الحكم. والحق أنه يلوح من شعره شخصًا راسخًا قويًا شامخًا لا يلين، حتى ليضع كل شيء تحت سطوة أفكاره الصارمة. إنه إنسان يواجه الموضوع مرة واحدة ويقطع فيه برأي ثم لا يوجد لديه شك على الإطلاق. ولا شيء أبعد عن طبيعته من أنصاف الحلول، من الإبهام واللبس، من الظلال المعتمة. وهذا هو الذي يفسر صراحة معانيه، فهو شاعر لا يستعمل الإيحاء قط. إن مظاهر هذه القطعية الفكرية تتجلى في شعر أبو ماضي تجليًا واضحًا لا يملك الناقد إلا أن يلاحظه، فهي تبرز في لغة القصائد وأوزانها وقلة العاطفة فيها. أما اللغة فتكاد تخلو من الاستعارات والتشبيهات والتظليل والتلوين خلوًا تامًا فلا تطمح إلى أكثر من أن تؤدي المعنى تأدية قاطعة بأقل ما يمكن من الألفاظ، وهذا هو الذي يجعل الكلمات ذات معان مقننة ثابتة في شعره وكأنها آيات دينية لا كلمات شعرية تلتمس استثارة العاطفة والتأثير الفني. 1963 * شاعرة وكاتبة عراقية «1923 - 2007»