لعله ليس كثيرًا أن نحكم بأن إيليا أبو ماضي، كان أول من جدد القصيدة العربية بالمعنى الذي نفهمه اليوم من التجديد، حتى ليستطيع الناقد أن يؤرخ به ميلاد فترة جديدة في الشعر العربي. والمظهر الأكبر لهذا التجديد أنه كان منذ البداية يميز بين موضوع القصيدة وهيكلها وهذا ما لا تجده في شعر معاصريه الكبار، شوقي وزملائه، الذين كان شعرهم امتدادًا لتقاليد الشعر العربي مع شيء من التوليد في المعاني الفرعية استلزمته الحياة الجديدة. وإننا لنجدهم يخلطون بين موضوع القصيدة وشكلها خلطا تاما، فإذا كتبوا قصيدة في الرثاء لم يجتهدوا في خلق إطار فني يصوغون فيه الموضوع، وإنما اكتفوا بإدراج المعاني الجزئية متتالية غير متدرجة حتى ليمكن تقديم بيت على بيت أو مقطع على مقطع دون أن يمس المعنى العام، وكأن الموضوع في نظرهم يكفي لتوحيد القصيدة وجعلها قصيدة دون أن يفطنوا إلى أن عليهم كشعراء أن ينظروا إلى الموضوع نظرتهم إلى مادة خام ينبغي أن تصاغ في كيان فني. ولم يبدأ أبو ماضي حياته الفنية بنظريات يشرح فيها وجهة نظره في الشعر، وإنما اكتفى بتقديم مجموعة من القصائد تخالف في نمطها العام ما درج عليه معاصروه من الشعراء. والحق أن القصيدة قبله لم تكن تملك شكلًا بالمعنى الحديث، وإنما كان الموضوع فيها هو كل شيء، وكانت في الغالب «ساكنة» تدور حول موصوف نابت في المكان لا حول حادثة تتفرق زمانًا. إن التفريق بين «الموصوف» و«الحادثة» أمر ضروري في كل مقدمة تحاول أن تشخص التجديد الذي أحدثه أبو ماضي في الشعر العربي. ولسنا في مقام يسمح بالإطالة، لنستعرض أساليب أبو ماضي في ابتداء قصائده وعرض موضوعاتها وإبلاغها ذروة التأزم الشوري ثم إنهائها إلى سكون متدرج يجيء كالنقطة البليغة في ختام عبارة موزونة. وما دمنا لسنا هنا لكي نكيل الثناء المجرد للشاعر، فلا بد لنا من أن نشير إلى أنه في الفترة الأخيرة من حياته قد عاد ونكص على عقبيه وأصبح يسلك مسلكا تقليديا في شعره، فاختفت الهياكل الفنية وحلت محلها قصائد مسطحة تمامًا يمكن أن نحذف منها ونقدم فيها ونؤخر دون أن نضر بها، وبهذا عاد إلى تقديس الموضوع واعتباره كافيا لخلق هيكل. وبحسبنا أن نقارن بين قصيدته الرائعة «العنقاء» وقصيدة تقليدية مثل «كم نشتكى» في ديوان الخمائل لترى الفرق. فقد كانت الأولى تغص «بالحركة والحياة فيما كانت الثانية سائبة جامدة غير مشدودة إطلاقًا ولا شيء فيها غير أبيات متعاقبة يقدم كل منها وحدة بذاته». إن ديوان «الحمائل» يقف صورة لارتداد هذا الشاعر على الثورة الشعرية التي أحدثها في الشكل والمضمون في ديوانه الجداول الذي طبع قبله بثلاث عشرة سنة. ولعل أبرز مظهر لهذا الارتداد أن الشاعر عاد إلى السّمة الكبرى التي لزمها الشعر العربي القديم ونعني بها نمط إرسال النصائح والمواعظ والدروس الأخلاقية وكل ما يمكن أن ينضوي تحت لفظ «الحكمة». ولا بد لنا من أن نقف لحظة لندرس العلاقة بين الشعر والحكمة. وأول ما سنلاحظه أن الحكمة ليست، في واقع الأمر، إلا نهاية التجربة الإنسانية. إنها ملخص لحياة كاملة عشناها ثم رأينا أن نختزلها في قانون صغير. وهكذا فإن أبو ماضي حين يقول: نسيانك الجاني المسيء فضيلة وخمود نار جد في إشعالها ما يدلنا على أنه قد انتهى من تجربة كاملة هذا هو ملخصها. وما الحكمة إلا قانون تنطوي تحته مئات من الحالات الجزئية، وهي بهذا الاعتبار أشبه بوسط حانٍ يرمز إلى الأرقام كلها دون أن ينطبق بالضرورة على كل رقم بمفرده. الحكمة إذن معدّل جامع مثل مجموعة التجارب الفردية ويصبها في نموذج عام، وعلى هذا فإن شاعر الحكمة إنما يتناول في شعره خواتم تجاربه والنقط الأخيرة فيها وحسب، دون أن يعرض لنا التجارب خلال وقوعها وما يرافقها من مشاعر وانطباعات وأفكار. 1963 * شاعرة وكاتبة عراقية «1923 - 2007»