زار (ابن نصيب) في مرضه وخاطبه: "تسامحك وطيبتك شفيعي في تقصيري" تمر الأيام ثقيلةً على القلب والوجدان، حاملةً معها ذكرى حزينة لرحيل زميل مهني قدير ورفيق درب إعلامي عريق لا ينسى.. الأستاذ سعود عبدالعزيز العتيبي -رحمه الله-. لم يكن (أبو طلال) مجرد زميل في ميدان العمل الصحفي، بل كان «صديق العمر» الذي شاركنا رحلةً مهنيةً، امتدت لأربعة عقود أو تزيد، بين ممرات وأروقة غاليتنا جريدة «الرياض» شهدنا فيها معاً تحولات العصر وتطورات المهنة. كان رقماً صعباً في العمل بالقسم الرياضي «دنيا الرياضة» في الثمانينات الميلادية بدعم قوي ومباشر من «ملك الصحافة» رئيس التحرير آنذاك الأستاذ تركي عبدالله السديري -رحمه الله-، الذي كان يقدره كثيراً لتمسكه بالمبادئ الإعلامية وقيم المهنة وقواعدها النبيلة، فضلاً عن دماثة خلقه وأدبه الجم، ودعمه لزملائه العاملين معه في بداية مشوراهم الإعلامي آنذاك. إعلامي المهمات الصعبة إذ لم يكن (سعود) ميالاً إلى حب الظهور أو البروز بقدر ما كان يحترم أصول عمله الصحفي وتقدير الوقت والانضباط، وكان الإعلامي الأصيل (سعود العتيبي) صاحب المهمات الصعبة التي كان ينجزها بمهارة صياغية رفيعة ومهنية عالية، وتحديداً في المتابعة والدقة والتنظيم في القسم منذ بداية عمله الصحفي في (دنيا الرياضة) عام 1403ه (1983م) إلى جانب مشاركاته التحريرية الرياضية في ملحق "الرياض الأسبوعي". وبعدها بعشر سنوات تقريباً كلف مسؤولاً عن الصفحات الرياضية في "الرياض" لفترة عامين قبل انتقاله للعمل مديراً للتحرير بمجلة اليمامة لمدة 23 عاماً، عاصر خلالها ثلاثة رؤساء تحرير، وعمل مساعداً لهم، معتذراً عن قبول منصب رئيس التحرير. ثم عاد به الحنين إلى عشه القديم في عاصمة الصحافة السعودية "الرياض"، وترك بصماته المهنية محفورة بقوة في بلاط صاحبة الجلالة -رحمه الله-. سيرة عطرة وذكرى حاضرة علاقتي بصديق النبل ورفيق الدرب الصحفي (سعود) كما أسلفت قبل 44 عاماً، وكنت قد سبقته في سنوات العمل مع "الرياض" بعامين، وأتذكر عندما انضم للعمل الصحفي كان شاباً طموحاً، تتقاذفه الطاقة الإيجابية والفضول الصحفي والحس المهني الرفيع، لكنه في الوقت نفسه كان يحمل حكمةً تفوق عمره. جمعتنا أروقة الجريدة أولاً ثم حب المهنة، وتطورت العلاقة من زمالة عمل إلى صداقة متينة قوامها الاحترام والتقدير المتبادل، إلى أن فارق هذه الدنيا الفانية تاركاً سيرة عطرة وسمعة نيرة حاضرة في القلوب وحية في الوجدان. مدرسة إعلامية متكاملة كان -رحمه الله تعالى- مدرسة إعلامية متكاملة.. يجيد فن الصياغة الصحفية ببراعة، يعرف كيف يصل إلى المعلومة الدقيقة من منابعها، ويطرحها بأسلوب سلس وجذاب، يخلو من التعقيد مليء بالعمق، كان يتحرى الدقة والأمانة في النقل، مؤمناً بأن رسالة الإعلام هي رسالة تنمية ووعي ونزاهة قبل كل شيء. وأتذكر كان فقيدنا الغالي (سعود) بمثابة الذاكرة الرياضية الحية، إذ يختزن في ذاكرته تاريخ الأسماء والأحداث، وتفاصيل التحولات الكبرى التي شهدتها الحركة الرياضية السعودية، وكان يتذكر أغلبها بتواريخها. كثيراً ما كنا نلجأ إليه للتأكد من معلومة تاريخية أو لاستذكار تفاصيل قصة صحفية قديمة، فيجدها لنا محفوظة في صندوق ذاكرته كما لو كانت حدثت البارحة، خاصة وأنه عمل في القسم الرياضي ثم بقسم المحليات قبل أن يتنقل للعمل مديراً لتحرير الشقيقة "مجلة اليمامة" لسنوات أكسبته عمقاً معرفياً وثقافياً ومهنياً في المجالات الرياضية والتاريخية والاجتماعية. علاقتنا لم تكن محصورة داخل أسوار الجريدة، إذ كانت تمتد إلى الحياة الخاصة، حيث كان حريصاً على الوجود في المناسبات الاجتماعية والمشاركة في النقاشات الطويلة عن شؤون الحياة والرياضة والثقافة والتاريخ، وكان سعود -رحمه الله- صاحب نكتة خفيفة الظل، ويتمتع بروح اجتماعية مرحة تزيل عن جلسائه الهموم والأحزان. وفاء (أبو طلال) نادر حقيقة كان (أبو طلال) وفياً لأصدقائه، يحمل همومهم، ويسعى في قضاء حوائجهم بما يستطيع، وكان يتواصل مع أحبابه وزملائه في ملتقياتهم الاجتماعية والإعلامية على الرغم من قلة ظهوره في قنوات الإعلام المرئي والمسموع إلا أنه ظل على تواصل مع كل الأوساط وتفاعلات المشهد الرياضي من خلال تغريداته عبر حسابه على منصة "X". تسامحك وطيبتك شفيعي في تقصيري وأتذكر تغريدة تجسد مشاعره النبيلة كتبها بمفردات راقية في اليوم التالي لزيارته لنجم الهلال والمنتخب الأسبق سلطان بن نصيب في مرضه عام 2018م قال فيها: "تسامحك وطيبتك شفيعي في تقصيري بحقك أخي سلطان.. زيارتك واجب، تأخرت في تأديته، أما الاطمئنان عليك فغاية وسيلتي فيها الدعاء أن يمن الله عليك بتمام الشفاء". إلى جنة الخلد (سعود) رحم الله الزميل النقي.. الوفي سعود عبدالعزيز العتيبي، وأسكنه فسيح جناته. لقد كان أنموذجاً مشرفاً للإعلامي الرصين، والصديق الوفي، والرجل الأصيل. بعد أن أدى رسالته في الحياة وخدم جريدة "الرياض" ومجلة "اليمامة" على مدى 44 عاماً بإتقان وأمانة، وترك إرثاً من المحبة الصادقة والاحترام العميق في نفوس جميع من عرفوه، تغمده الله بواسع رحمته. العتيبي زائراً اللاعب الأسبق سلطان بن نصيب في مرضه 2018م الزميل الراحل في حوار ل(الرياض) مع مدرب المنتخب والهلال الأسبق (كندينو) 1986م (أبو طلال) في حفل زواج كريمة الأستاذ خالد الفهد العريفي مع الزميل إسماعيل صالح والمحرر في يناير 2024م الفقيد سعود في إحدى المناسبات الاجتماعية مع المعلق السابق سلطان العبدالله والزميل محمد المحمود 1987م المرحوم سعود العتيبي مدرسة إعلامية متكاملة ضوئية لغلاف كتاب الزميل سعود (ثلاثية الهلال شواهد مجد.. رمز عظمة) ضوئية لتغطيته ل(دنيا الرياضة)، سفر المنتخب إلى تونس (7/11/ 1405ه) ضوئية لحواره مع نجم المنتخب والهلال وأُحد الأسبق عبدالله فودة في (دنيا الرياضة) (1/4/1406ه) سعود العتيبي -رحمه الله- ضوئية لمقال العتيبي (الطائي صفحة بيضاء مدادها الإخلاص والحب والوفاء) في دنيا الرياضة (12/6/1406ه) الزميل الراحل (الثاني من اليمين) في الصف الثاني خلال تغطية أحد اجتماعات الفيفا في الرياض 1989م معد ومحرر الصفحة فهد الدوس